تبت من إتيان السحرة ولكن وساوس الكفر تلاحقني، فما الحل؟
2026-07-02 02:20:03 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو منكم إفادتي بفتوى ضرورية.
نحن نعتقد أننا قد أُصبنا بسحر، والله أعلم، وقد ذهبنا في السابق إلى دجالين، ثم تبتُ إلى الله من ذلك، لكن والدتي ما زالت تصدق قول الدجالين بشأن الشخص الذي زعموا أنه هو من فعل السحر.
وأنا أعاني من الوسواس، وقد قال الدجالون إن أهل والدي هم الذين سحرونا، والله أعلم، ومنذ ذلك الوقت تأتيني وساوس كثيرة في هذا الأمر، حتى إنني أنطق الشهادتين مرات عديدة؛ لأن هذا الموضوع يعود إلى قلبي بين الحين والآخر.
وللعلم، فإن والدتي قد تأذت منهم كثيرًا في أمور أخرى، وكذلك نحن، في الماضي، وقد جاءني وسواس بأنهم هم من سحرونا، ثم قلت في نفسي: ليسوا هم من سحرونا، لكنهم آذوا أمي، وبعد ذلك شعرت بأنني بمجرد قولي هذا قد صدقت كلام الساحر، وأنني كفرت.
ولذلك عزمت على أن أخبر والدتي بأنهم ليسوا هم من سحرونا، وقلت في نفسي: لن أخبرها بأنهم آذونا في غير هذا الموضوع؛ لأنني اعتقدت أن ذلك أيضًا كفر، ثم ذهبت إليها وقلت لها إنهم آذونا في أمور أخرى فقط، فقالت لي: اذهبي وصالحيهم، وكلميهم، لكن وقع في نفسي أنني لا أريد أن أكلمهم.
والآن أخاف أن أكون قد أشركت بالله أو صدقت الدجال، كما أشك في أن والدتي تحاول إقناعي بأنهم هم من سحرونا، مع أن إحدى قريباتنا، عندما بدأت أختي تظهر عليها علامات التعب، كانت تقول لها وهي مبتسمة: «ألف سلامة عليك»، والآن لا أدري، هل كفرت أم لا؟ وماذا يجب أن أفعل مع والدتي وأقاربي؟
وأرجو منكم ألَّا تكتفوا بالقول إنني موسوسة؛ لأن هذه الأمور قد حصلت فعلًا، مع أنني بالفعل أعاني من الوسواس.
ومنذ الفترة الأخيرة أصبحت أعاني من وساوس شديدة في التخيل تتعلق بالله تعالى، والعياذ بالله، كما أصبحت أخاف من الموت خوفًا شديدًا، وحتى عند نطق الشهادتين أعيدهما أكثر من مرة؛ حتى أشعر أنني قلتهما بصدق ومن غير هذه التخيلات، وحتى عند التوبة أشعر أحيانًا بحالة من الجمود، فلا أشعر بتوتر ولا بحزن، فماذا أفعل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مروة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، ويثبت قلبكِ على التوحيد، ويعيذكِ من نزغات الشيطان، وأن يرزقكِ اليقين والطمأنينة، ويصرف عنكِ الوساوس والشكوك، وأن يحفظكِ وأهلكِ من كل سوء، وبعد:
فقد تفهمنا سؤالكِ وبدا لنا أن القضية الأساسية ليست معرفة من سحركم، وإنما الخوف الشديد من الوقوع في الكفر أو الشرك بسبب ما يخطر في قلبكِ من أفكار، حتى أصبحتِ تراجعين نطق الشهادة، وتكررين التوبة، وتخافين من مجرد مرور الخواطر على ذهنكِ.
وهذه النقطة هي التي ينبغي أن يبدأ منها العلاج؛ لأن الوسواس إذا دخل باب العقيدة لم يقف عند مسألةٍ واحدة، بل ينتقل من الشرك إلى الكفر، ثم إلى الإيمان, ثم إلى النية، ثم إلى التوبة، حتى يجعل صاحبه يعيش في محاكمةٍ دائمةٍ لنفسه، هذه نقطة هامة نرجو أن تنتبهي لها، وأما الجواب ففي النقاط التالية:
أولًا: الذهاب إلى الدجالين والعرافين خطأ عظيم يجب التوبة منه، وقد أحسنتما حين تبتما إلى الله، ومن تمام التوبة أن يقطع الإنسان صلته بهم، وألا يبني شيئًا من اعتقاداته على أخبارهم؛ لأنهم يتكلمون في الغيب بغير علم، ويخلطون الكذب بشيءٍ من الحق، فيفتنون الناس ويوقعون بينهم العداوة والبغضاء.
فإذا قال أحدهم: "فلان هو الذي سحركم"، فلا يجوز تصديقه لمجرد قوله، ولا يجوز بناء الأحكام على دعواه؛ لأن الله سبحانه لم يجعل معرفة الغيب إليهم، بل قال: {قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ}.
ثانيًا: لا يلزم من كون بعض أقاربكم قد أساؤوا إليكم في أمورٍ من أمور الدنيا أن يكونوا هم الذين سحروكم، كما لا يلزم من وجود سحرٍ -إن ثبت وجوده- أن يكون الدجال قد عرف فاعله، فهاتان قضيتان منفصلتان، وخلطهما هو الذي فتح عليكِ باب الوسواس.
ومنهج الشريعة أن الأحكام تبنى على البينات، لا على الظنون، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ}، فإذا لم يكن عندكِ دليل معتبر، فالواجب أن تكفي لسانكِ وقلبكِ عن اتهام أحدٍ بعينه.
ثالثًا: ما وقع في نفسكِ من أنكِ ربما صدقتِ كلام الدجال لا يجعلكِ كافرةً؛ لأن الكفر ليس مجرد خاطرٍ يمر بالقلب، ولا شكًا يخشاه صاحبه، وإنما هو اعتقاد يطمئن إليه القلب، أو قول أو فعل يختاره الإنسان مختارًا.
وأنتِ في رسالتكِ لم تذكري أنكِ صدقتِ الدجال مطمئنةً إلى قوله، بل ذكرتِ أنكِ تخافين أن تكوني قد صدقتِه، ثم سعيتِ إلى إزالة هذا الاعتقاد، وهذا في نفسه يدل على أنكِ تكرهين الباطل ولا ترضين به، وعليه فلا يجوز أن تنقلي نفسكِ من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر بمجرد الوساوس والاحتمالات.
رابعًا: تكراركِ للشهادة، وإعادة التوبة، والخوف من أنكِ لم تقوليها بصدق، أو أن الخيال أفسدها، ليس من علامات ضعف الإيمان، بل هو من الأعمال التي يغذي بها الوسواس نفسه، فإن الشيطان إذا وجد الإنسان يعيد الشهادة مرةً بعد مرة لم يقتنع، بل زاده شكًا في المرة التالية، حتى تصبح الشهادة نفسها بابًا للقلق بعد أن كانت بابًا للطمأنينة.
ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى الإعراض عن الوسواس، فقال: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ».
وتأملي أنه قال: «وَلْيَنْتَهِ» ولم يقل: فليكرر الشهادة، أو فليكرر التوبة؛ لأن علاج الوسواس يكون بقطع الاسترسال معه.
خامسًا: أمَّا ما ذكرتِه من التخيلات المتعلقة بالله تعالى، فهي من أشد الوساوس على المؤمن؛ لأنها تتعلق بأعظم ما يحبه ويعظمه، وهذه الوساوس لا تدل على فساد عقيدتكِ، بل تدل على سلامتكِ: كراهتكِ لها وخوفكِ منها.
لذا فلا تناقشيها، ولا تحاولي أن تطرديها بالقوة، ولا تختبري نفسكِ: هل زالت أم بقيت؟ بل استعيني بالله، وأعرضي عنها، وأكملي ما كنتِ تقومين به من صلاةٍ أو ذكرٍ أو قراءة.
سادسًا: لا أنصحكِ بأن تدخلي في نقاشٍ مع والدتكِ لإثبات من سحر أو لم يسحر؛ لأن هذا باب لا ينتهي، وقد يزيد الخلاف داخل الأسرة، فإن استطعتِ أن تنصحيها برفقٍ بترك تصديق الدجالين، وأن يكون اعتمادها على الرقية الشرعية والدعاء والأسباب المشروعة، فهذا حسن، وإلا فلا تجعلي هذا الموضوع يستهلك قلبكِ؛ لأن انشغالكِ بإصلاح نفسكِ أولى من الدخول في قضايا لا يمكن الجزم بها.
سابعًا: الذي تحتاجينه الآن هو أن تضعي لنفسكِ قاعدةً ثابتةً: كل فكرةٍ تبدأ بـ"لعلِّي كفرتُ"، أو "لعل إيماني بطل"، أو "لعل توبتي لم تصح"، أو "لعل شهادتي لم تكن صادقةً"، هي فكرة لا أجيب عنها، ولا أكرر بسببها الشهادة، ولا أفتش في قلبي، وإنما أستعيذ بالله، ثم أمضي في عبادتي.
إذا التزمتِ بهذه القاعدة مدةً من الزمن، فسيضعف الوسواس تدريجيًا؛ لأنه سيفقد الوقود الذي كان يعيش عليه، وهو الاستجابة له.
وخلاصة الأمر أن الواجب عليكِ أن تقطعي كل صلةٍ بأقوال الدجالين، وألا تتهمي أحدًا بالسحر بغير بينة، وألا تجعلي الوساوس حكمًا على إيمانكِ، ولا تكرري الشهادة أو التوبة بسببها، بل ثابري على الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وأعرضي عن الخواطر، فإنها لا تضركِ ما دمتِ كارهةً لها غير راضيةٍ بها.
نسأل الله تعالى أن يثبت قلبكِ على التوحيد، وأن يذهب عنكِ الوساوس، وأن يرزقكِ اليقين والسكينة، ويصلح حال والدتكِ، ويحفظكم جميعًا من كل سوء، ويجعلكم من عباده المطمئنين، والله الموفق.