مرض وعسر في كافة أمور حياتنا رغم مداومتنا على الرقية..ما النصيحة؟
2026-07-07 01:37:03 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنتُ أعاني منذ فترةٍ طويلةٍ من تعبٍ ومرضٍ وتعسيرٍ في كافة أمور حياتي، وأصبحتُ أحسّ ليلًا بحركةٍ غريبةٍ وأصواتٍ، وأرى مناماتٍ داخل الحمّامات -أعزكم الله-، وبعدها أصبحت ابنتي الكبيرة تحسّ بنفس الأعراض، رغم قراءتنا للقرآن والرقية، وطلبنا من شيخٍ أن يرقيَنا، وبعد الرقية أصبتُ بإغماءٍ وتعبٍ، واستمررتُ في رقية نفسي فترةً، لكن التعب ازداد، حتى لم أعد أستطيع متابعة الرقية، وأصبحت الصلاة ثقيلةً جدًّا، وأصبح كل شيءٍ صعبًا، مع عدم تركيزٍ ونسيانٍ، وفشلٍ في أشياء كنتُ بارعةً بها جدًّا، وأنا الآن مريضةٌ جدًّا، فماذا تنصحونني أن أفعل؟
جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رجاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشفيكِ شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يفرج همكِ، ويذهب عنكِ ما تجدين، ويحفظ ابنتكِ، ويجعل ما أصابكما رفعةً في الدرجات وتكفيرًا للسيئات.
لقد قرأنا رسالتكِ بعنايةٍ، ونحب أولًا أن نقول لكِ: إننا لا نستطيع أن نجزم من خلال ما ذكرتِ أن ما تعانين منه سببه السحر أو المس أو العين، كما لا نستطيع أن ننفي ذلك؛ لأن مثل هذه الأمور لا تثبت بمجرد الظنون أو بتشابه الأعراض، وإنما تحتاج إلى قرائن معتبرة؛ ولذلك فالمنهج الشرعي هو أن يجمع المسلم بين الأخذ بالأسباب الشرعية، والأخذ بالأسباب الطبية، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
فقد يكون بعض ما ذكرتِ له سببٌ غيبي، وقد يكون له سببٌ طبي أو نفسي، وقد يجتمع الأمران، وليس بينهما تعارض، فإن الله سبحانه هو الذي شرع الرقية، وهو الذي أمر بالتداوي، فقال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».
كما نحب أن ننبهكِ إلى أمرٍ آخر، وهو أن الإغماء، أو التعب بعد الرقية، أو البكاء، أو الشعور بأعراض أثناء القراءة، لا يعد دليلًا قاطعًا على وجود السحر أو المس؛ لأن هذه الأمور قد تقع لأسباب متعددة، فلا ينبغي أن نبني عليها أحكامًا جازمة.
كما أن ما ذكرتهِ من رؤية منامات، أو سماع أصوات، أو الشعور بحركةٍ في الليل، لا يكفي وحده للحكم بوجود سببٍ غيبي؛ ولذلك لا ننصحكِ بأن تشغلي نفسكِ بمحاولة تفسير كل عرض، فإن ذلك قد يزيد الخوف والوسواس، ويجعل القلب متعلقًا بالأعراض أكثر من تعلقه بالله.
وقد لفت انتباهنا في رسالتكِ أنكِ ذكرتِ أن الصلاة أصبحت ثقيلةً عليكِ، وأنكِ لم تعودي تستطيعين متابعة الرقية، وهنا نحب أن ننبه إلى أن المسلم إذا اشتد عليه المرض فلا يكلف نفسه ما يشق عليها، وإنما يعبد الله بما يستطيع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
فإذا وجدتِ مشقةً في الإطالة، فاقرئي من القرآن ما تستطيعين، وأكثري من الأذكار الثابتة، ولا تحملي نفسكِ فوق طاقتها، كما ننصحكِ ألا تعتمدي على كثرة الرقى، أو كثرة التنقل بين الرقاة، أو جعل حياتكِ كلها تدور حول البحث عن السحر أو المس؛ فإن بعض الناس يقضي سنواتٍ ينتقل من راقٍ إلى آخر، بينما يتأخر في مراجعة الطبيب أو في علاج السبب العضوي أو النفسي، والعجيب أن المرض قد لا يكون من السحر، وإنما يكون من سببٍ عضويٍ لم يُلتفت إليه، لذا يجب السير -كما أسلفنا- في الطريقين معًا.
ولذلك فإننا ننصحكِ بما يلي:
1- حافظي على الصلوات بحسب استطاعتكِ، وأكثري من الدعاء والاستغفار، وحافظي على أذكار الصباح والمساء.
2- اجعلي لكِ وردًا يوميًا من القرآن، ولو كان يسيرًا، ولا تربطي قراءته بظهور الأعراض أو اختفائها، بل اقرئيه تعبّدًا لله.
3- إذا أردتِ الرقية، فارقي نفسكِ بالقرآن والأدعية الثابتة، من غير تكلف، ومن غير مراقبةٍ مستمرةٍ للأعراض، ولا حرج في الذهاب إلى راقٍ صالحٍ متقيدٍ بالضوابط الشرعية إذا ما عجزتِ عن رقية نفسكِ.
4- راجعي طبيبًا متخصصًا لإجراء تقييمٍ عام، خاصةً مع ما ذكرتهِ من الإرهاق الشديد، وضعف التركيز، والنسيان، وثقل العبادة، فقد تكون هناك أسبابٌ صحية تحتاج إلى علاج، وإذا رأى الطبيب الحاجة إلى مراجعة طبيبٍ مختصٍ بالأعصاب أو الطب النفسي فلا تترددي في ذلك؛ فإن الأخذ بالأسباب الطبية لا ينافي الإيمان بالرقية.
5- احرصي على النوم الكافي، والتغذية الجيدة، وتقليل العزلة؛ فإن الإجهاد المستمر يزيد كثيرًا من هذه الأعراض.
6- لا تكثري من سؤال الناس: هل هذا سحر؟ وهل هذا مس؟ فإن كثرة الانشغال بهذه الأسئلة قد تزيد القلب اضطرابًا.
7- الصحبة الصالحة والابتعاد عن الفراغ، مع الدعاء لله والمحافظة على الأذكار، من أكبر المعينات على تجاوز تلك المرحلة.
وأما ما يتعلق بابنتكِ، فلا ينبغي أن نبني على مجرد تشابه الأعراض أنها أصيبت بما أصبتِ به؛ فقد يكون ذلك وقد لا يكون، ولذلك عاملوها بالطريقة نفسها: بالمحافظة على الأذكار، والرقية الشرعية المعتدلة، مع عرضها على الطبيب إذا كانت تشكو من أعراض مستمرة.
وأخيرًا: نحب أن نذكركِ بأن الابتلاء لا يدل على أن الله قد تخلى عن عبده، بل قد يكون من أعظم أسباب رفع الدرجات، وقد ابتلي الأنبياء وهم أحب الخلق إلى الله، فلا تجعلي المرض سببًا لليأس، ولا تجعليه أيضًا سببًا لتعليق كل حياتكِ بتفسيرٍ واحد، بل سيري إلى الله بقلبٍ متوكلٍ، وخذي بجميع الأسباب التي شرعها، وأحسني الظن بربكِ؛ فإن الشفاء بيده وحده، وهو سبحانه أرحم بكِ من نفسكِ.
نسأل الله أن يمنّ عليكِ بالشفاء العاجل، وأن يرزقكِ العافية في دينكِ وبدنكِ، وأن يحفظ ابنتكِ من كل سوء، وأن يجعل لكم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، والله الموفق.