ذقت حلاوة الإيمان والطاعة مُدّةً ولكني انتكست، فكيف أتدارك ذلك؟
2026-07-20 02:24:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أشعر بضيق شديد في صدري لا يعلمه إلَّا الله، وأنا على يقين أن هذا الضيق والألم بسبب الذنوب.
الحمد لله، بدأتُ منذ شهر سبتمبر الماضي بالتوبة، والقرب من الله، ومن أكثر الأشياء التي دفعتني إلى ذلك أنني كنتُ مشتاقًا إلى القرب من ربي مرة أخرى، والسبب الآخر أنني كنتُ أَمرُّ ببعض الابتلاءات، فكنت محتاجًا إلى الله جدًّا.
وظللت تقريبًا ستة أشهر في حالة من النعيم لم أعهدها من قبل، وبدأتُ تدريجيًّا أقترب إلى الله، وكلما اقتربت أكثر اشتدت الابتلاءات، لكنني كنت أقاوم حتى أثبت، فبدأت بالالتزام بصلاة الجماعة فور الأذان، والذهاب إلى المسجد، والالتزام بالنوافل، وصيام يومي الاثنين والخميس، والمحافظة على الأذكار بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وقيام الليل، والبعد عن الذنوب.
وبدأتُ أذكر الله، حتى أدمنت الصلاة على النبي ﷺ، ثم الاستغفار، ثم بعض الأذكار الأخرى، وحفظ القرآن، والاستمتاع بتلاوته، والحمد لله استمررت، وكنت أتلذذ بالعبادة، وكنت مقبلًا جدًّا على الطاعة، وكانت ميسرة لي.
ولو لم أفعل شيئًا من جدول العبادة الذي كنت قد وضعته لنفسي، كنت أتعب وأضيق، وكان ذكر الله يحييني، وكأنني أعيش في جنة حقًّا، وصدق السلف عندما قالوا: ذكر الله هو جنة الله في الأرض، وظللت على هذه الحال من القرب ستة أشهر.
ولكن حصل شيء لم أتوقعه من قبل، وهو انتكاسة عارمة، فقد انصدمت ممَّا حصل، إذ كنت في نعيم، فإذا بي فجأة في جحيم، ورجعت مرة أخرى إلى الإباحية، وذنوب الخلوات التي كنت قد تبت منها، وتركتها مدة ستة أشهر، وحصلت الانتكاسة منذ شهر أبريل -فيما أعتقد-، وظللت بعدها في انتكاسات متتالية، وكانت كل انتكاسة تدمِّر قلبي أكثر، بعد أن قضيت ستة أشهر أحاول تطهيره.
وفي تلك الفترة الذهبية، كنت أرى فتوحات من الله لم أعهدها من قبل، وبدأت طريقة تفكيري وقناعاتي تتغير، وفتح الله عليَّ في عبادات أخرى، وأصبحتُ لا أحمل هم الرزق، وأشعر أن الله سيجبر خاطري جبرًا عظيمًا، وكان عندي انشراح في الصدر، وسكينة، وصفاء ذهني، وإقبال على الحياة، وقوة نفسية، وتيسير في كل شيء.
ولكن ما إن رجعت إلى الإباحية، حتى انهدم كل ما بنيته في أيام، وأشعر أن الأمر يشبه شخصًا بنى فيلا جميلة بيده، وتعب فيها كثيرًا، ثم عاد هو نفسه فهدمها بيده، وحينها شعرت بيأس عارم، وانطفاء، وضيق (والله) لا يعلمه إلَّا هو، وأصبحتُ حزينًا على نفسي، من شدة الألم والضيق الناتجين عن الذنوب، ولم أعد قادرًا حتى على قراءة ذِكْرَيْن من أذكار الصباح والمساء، ولم أعد قادرًا على التوبة، وأشعر بثقل شديد على قلبي، وبخنقة في صدري، ليست طبيعية.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن يكتب لك الأجر على صدقك في وصف حالك بهذا الوضوح، فذلك في حد ذاته دليلٌ على قلبٍ حيٍّ لم يمت، والحمد لله.
فهمنا من رسالتك أنك عشت ستة أشهرٍ من أجمل ما يكون في القرب من الله، بالصلاة في وقتها، والنوافل، والصيام، والذكر، وحفظ القرآن، وذقت فيها حلاوة الطاعة الحقيقية، ثم حدثت انتكاسةٌ أعادتك إلى الذنب الذي تبت منه، وأنت الآن غارقٌ في إحساسٍ بالضيق، والذنب، والانطفاء، وتشعر بأن ما بنيته قد انهدم في أيامٍ.
هذا الشعور مؤلمٌ بحقٍّ، ومن الطبيعي أن يخنقك، لكن دعني أقول لك من البداية: إن ضيقك هذا دليلٌ على أن قلبك ما زال حيًّا لم يمت، ولو مات القلب لفعلت الذنب وأنت مرتاحٌ، فحزنك هذا نعمةٌ من الله لا عقوبةٌ.
يمكن أن ننظر إلى المسألة من زاويتين؛ الزاوية الأولى: فهم طبيعة الانتكاسة ذاتها، فالشيطان لما رأى قربك من ربك وذوقك حلاوة الطاعة، اجتهد عليك بكل طاقته ليعيدك، وليس ذلك لضعفك، بل لأنك كنت في موضع قربٍ من الله أزعجه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
ونيتك من أولها إلى آخرها كانت القرب من الله، فالانتكاسة مرحلةٌ في الطريق لا نهايةٌ له.
أما الزاوية الثانية: فهي التعامل مع الذنب نفسه، وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين:
الأمر الأول: الذنب وقع وانتهى، ويلزمك التوبة منه.
الأمر الثاني: اليأس والقنوط الذي يعقب الذنب.
فالذنب قد وقع وانتهى ويلزمك التوبة منه، لكن اليأس الذي يعقبه معصيةٌ أخرى أخطر من الذنب الأول؛ لأن الشيطان بعد إيقاعك في المعصية يحاول إيقاعك في القنوط ليقطعك عن ربك بالكلية، يقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وهذه الآية نزلت أصلاً في أمثال حالك، ممن أسرفوا على أنفسهم وخافوا ألَّا تسعهم رحمة ربهم.
من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
أولها: أن تفصل بين الذنب واليأس فصلاً تامًّا، فتبادر بالاستغفار والتوبة في اللحظة ذاتها التي تشعر فيها بالتقصير، من غير أن تترك مسافةً زمنيةً تمنح الشيطان فرصةً ليقنعك بأنك ابتعدت عن ربك فلا فائدة من الرجوع.
والأمر الثاني: وهو مهمٌّ في حالتك بالذات، أن أسباب الوقوع في هذا النوع من الذنوب غالبًا ما ترتبط بلحظات فراغٍ، أو وحدةٍ، أو انفتاحٍ على مصادر معينةٍ، فلا بد أن تتخذ خطواتٍ عمليةً ملموسةً تقطع بها الطريق على نفسك، كوضع برامج حجبٍ على الأجهزة، وتجنب الخلوة في الأوقات التي تضعف فيها، وشغل وقتك بما يستهلك تركيزك.
وقد نبه النبي ﷺ عليًّا رضي الله عنه من خطورة تكرار النظر فقال: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ». وهذا بالضبط ما يحدث في زمن الشاشات والإنترنت، فالنظرة الأولى قد تكون بغير قصدٍ، لكن الذي يهلك الإنسان هو الاستمرار والتكرار، فالحكمة أن تقطع الأمر من أول لحظةٍ ولا تدخل في دائرة التكرار.
والأمر الثالث: احرص ألا تعود إلى برنامج العبادة القديم دفعةً واحدةً وكأنك تحاول تعويض ما فات، فقد يتعبك ذلك ويشعرك بالفشل إن لم تستطع إتمامه، بل ابدأ بخطوةٍ واحدةٍ صغيرةٍ تقدر على الثبات عليها، كركعتين من قيامٍ، أو وردك من الاستغفار، ثم زد تدريجيًّا كما فعلت أول مرةٍ، فالثبات على القليل أحب إلى الله من الكثير المنقطع، وقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
والأمر الرابع: لا تحرم نفسك من صلاة الجماعة والمسجد بحجة التقصير، فالمسجد للمذنبين التائبين قبل أن يكون للأتقياء، والله يحب أن تأتيه محتاجًا لا أن تأتيه كاملاً.
وبخصوص الضيق الذي تشعر به في صدرك، فبعضه طبيعيٌّ، وهو أثر الحسرة على الطاعة التي فاتت، لكن إن استمر هذا الضيق فترةً طويلةً، وأثر على نومك، وتركيزك، وحياتك اليومية، فمن الحكمة أن تستشير أخصائيًّا نفسيًّا متخصصًا في التعامل مع الإدمان السلوكي، خاصةً أن مشاهدة المواد الإباحية تترك أثرًا نفسيًّا وعصبيًّا يحتاج أحيانًا إلى تدخل متخصصٍ إلى جانب البعد الإيماني، وليس ذلك ضعفًا، أو بعدًا عن الدين، بل هو أخذٌ بالأسباب التي أمرنا الله بها، والتوكل الحقيقي أن تأخذ بكل الأسباب المتاحة وأنت متوكلٌ على الله في النتيجة.
وفي وسط كل هذا، تذكر أن ما بنيته في تلك الأشهر الستة لم يذهب سدىً، فالقرب من الله الذي ذقته ليس سرابًا، وهو بذاته دليلٌ على أنك قادرٌ على العودة إليه، والانتكاسة ليست هدمًا كاملاً للبناء كما تشعر، بل هي أقرب إلى صدعٍ في جدارٍ من جدران البيت، والبيت يمكن أن يرمم من جديدٍ بإذن الله، والدليل أن الله سبحانه سمى نفسه (التواب)، أي الذي يعود على عبده كلما عاد العبد إليه، مهما تكرر الرجوع، وصدق من قال:
بُصِّرْتُ بِالرَّاحَةِ الْكُبْرَى فَلَمْ أَرَهَا ... تُنَالُ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ
فالراحة التي كنت فيها في تلك الأشهر الستة لم تأت من فراغٍ، بل جاءت بعد تعبٍ ومجاهدةٍ، وطريق العودة إليها هو نفسه: تعبٌ ومجاهدةٌ، لكن غايته إن شاء الله راحةٌ أعظم من الأولى.
نسأل الله أن يُيَسِّر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.