أحببت زميلتي وأحبتني وعندما تقدمت لها رفضتني.. هل هذه عقوبة؟
2026-07-21 02:11:22 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت في علاقة مع فتاة تدرس معي، وكنت أحبها وتحبني، وكانت ذات خلق ودين، وكان بيننا توافق، وللأسف وقعتُ في أخطاء مع فتيات أخريات، وضعفتْ نفسي أمامهنَّ، ثم تبتُ إلى الله تعالى، وعزمتُ على خطبتها، لكنها رفضتني بحجة أنها لم تعد تتقبلني، ولم تعد تجد ما يدفعها نحوي، وأنها تريد مني أن أبتعد عنها نهائيًّا دون رجعة.
وأنا الآن أحبها حبًّا شديدًا، وقد تقدمتُ لخطبتها، لكنها رفضت، فهل عاقبني الله بفقدها بسبب أخطائي، وأنني خسرتها؟ وماذا عليَّ أن أفعل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإيَّاك لصالح القول والعمل.
بدايةً أخي الكريم، يظهر من خلال سؤالك أنك تشعر بندمٍ صادق على ما بدر منك من أخطاء، ولا شك أن الندم على المعصية والتوبة منها من علامات الخير، بل هو ركن من أركان التوبة الصادقة، كما قال النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ».
لكن من المهم أن تعلم أن الجزم بأن ما وقع لك هو عقوبة من الله تعالى لا يجوز؛ لأن أمور القضاء والقدر من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، فقد يكون ما أصاب الإنسان عقوبة، وقد يكون ابتلاءً يرفع الله به الدرجات، وقد يكون صرفًا عن أمر لا يعلم العبد ما فيه من الخير أو الشر، ولذلك لا يصح أن يبني المسلم أحكامًا جازمة في مثل هذه الأمور دون دليل.
ومع ذلك، فإن الذنوب قد تكون سببًا في حرمان الإنسان من بعض النعم، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، لكن لا يلزم من كل مصيبة أن تكون عقوبة، كما لا يلزم من كل حرمان أن يكون بسبب ذنب معين.
أخي الكريم، ما وقع منك من إقامة علاقة مع هذه الفتاة، ثم التوسع في العلاقات مع فتيات أخريات، فلا شك أن ذلك كان خطأً ينبغي التوبة منه، سواء من جهة الدخول في علاقة لا يقرها الشرع قبل الزواج، أو من جهة التفريط في مشاعر الآخرين وإلحاق الأذى بهم، وقد أحسنت حين بادرت إلى التوبة، فالتائب إذا صدق مع الله غفر الله له، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.
أمَّا موقف هذه الفتاة، فمن حقها شرعًا أن تقبل أو ترفض، ولا يلزمها أن تعود إليك بعد أن فقدت الثقة أو تغيرت مشاعرها، فالقلوب بيد الله، والقبول بين الزوجين لا يتحقق بمجرد صدق الرغبة من أحد الطرفين، وإنما يحتاج إلى رضا الطرفين معًا، ولذلك فإن رفضها لك لا يجعلها ظالمة، كما أن قبولها أو رفضها حق كفله الشرع لها، كما أن التوافق والقبول بين الطرفين أدعى للاستقرار بعد الزواج.
لذلك أوصيك -أخي الكريم- ألَّا تجعل محبتها سببًا في التعلق بما قد انقطع، فقد أخبرتك بوضوح أنها لا ترغب في استمرار العلاقة، بل طلبت منك الابتعاد نهائيًّا، واحترام رغبتها من حُسن الخلق، ومن تمام التوبة، ومن حفظ القلوب من التعلق المحرم.
واعلم أن استمرار التفكير فيما مضى، وتكرار سؤال النفس "هل خسرتها بسبب ذنوبي" لن يغير الواقع، بل قد يفتح عليك باب الوساوس والندم الذي لا يثمر عملًا، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى المنهج الصحيح فقال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
أخي الغالي، ما ينبغي عليك الآن هو أن تثبت على توبتك، وأن تحافظ على الاستقامة، وأن تغض بصرك، وأن تقطع كل علاقة لا يرضاها الله تعالى، وأن تجتهد في إصلاح نفسك، فإن أصلح العبد ما بينه وبين الله أصلح الله له ما بينه وبين الناس، ورزقه من فضله ما هو خير له.
وأخيرًا أخي الكريم، لا تجعل هذه التجربة نهاية الطريق، ولا تربط سعادتك بشخص واحد، بل أحسن الظن بالله تعالى، وأكثر من الدعاء والاستخارة، فإن كانت هذه الفتاة خيرًا لك فسييسرها الله لك إن شاء، وإن لم تكن من نصيبك، فثق أن الله تعالى سيعوضك خيرًا منها في الوقت الذي يقدره سبحانه، فإن خزائن الله لا تنفد، ورحمته أوسع من آلام العباد وآمالهم، وتذكر قول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
وفقك الله ويسر لك الخير حيث كان.