قلق الاختلاط والوسواس يحول بيني وبين الجامعة.. فكيف أتجاوز خوفي؟
2026-07-21 04:18:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمي أدخلتني مدارس خاصة أجنبية منذ صغري، ودفعت مبالغ عظيمة، فتخرجت بعد أن عانيت من مرض الفصام بصعوبة، بما أنني أعاني من القلق الاجتماعي، وبعدها -وبسبب القلق- لم أذهب إلى الجامعة لسنوات، والآن بعض الجامعات الخاصة الأجنبية لا تقبلني لأن شهادتي قديمة، كما أنني لا أريدها بسبب الاختلاط.
لكن كأن هناك جامعة واحدة فقط تقبلني، وإن دخلتها فسأدرس تخصص الهندسة الطبية، إلَّا أن الاختلاط يؤذيني لأنه حرام، ولم يتبقَّ لي سوى كلية تطبيقية، ولعلها لا يوجد فيها اختلاط كثير، ولعلي أريد أن أدخل تخصص الدراسات الإسلامية أو التربية الخاصة إن توفر، وإن لم يتوفر فلا أدري في ماذا أتخصص.
فماذا أتخصص إن لم يتوفر؟ وما هو أكثر تخصص يحبه الله في الكلية التطبيقية؟ أهو التخصص الأكثر نفعًا للناس؟ وما هو هذا التخصص؟ هلا ساعدتموني؟
كما أنني أشعر بحزن شديد؛ لأن أمي حزينة، ولأني في النهاية سأدخل كلية تطبيقية بعد كل تعبها من أجلي، ولا أظن أن ذلك شيء مرموق، وأنا في الحقيقة أتمنى أن أدرس شيئًا مرموقًا حتى أكون مرموقة، فهل بإمكاني أن أكون أكثر مكانة من الأطباء والمهندسين، ولو كنت في الكلية التطبيقية، أو أن أكون في مستوى قريب منهم؟
هلا أعطيتموني خطة أكون فيها مرموقة عبر مسار الكلية التطبيقية، وذلك إن نصحتموني بدخولها وترك مسار الهندسة الطبية بسبب الاختلاط؟
كما أنني أخاف أن أذهب إلى الجامعة؛ لأني أخاف أن أتوضأ هناك، ولعلي أضطر إلى كشف شعري غير المرتب، كما أنني قد أعاني من سلس البول، وأنا أعاني كثيرًا، فهل أذهب إلى الجامعة أم أجلس في البيت؟
اجبروني، جبركم الله.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، وقد قرأنا رسالتك بتمعن، ولمسنا فيها حملًا ثقيلًا من الهموم تراكم عليك من جوانب متعددة: الدراسة، والصحة النفسية، والعلاقة مع والدتك، والقلق من أمور تخص العبادة والطهارة، نسأل الله أن يكون في هذه السطور ما يخفف عنك بعض هذا الثقل.
أولًا: أود أن أثني عليك؛ لأنك رغم كل ما تمرين به من قلق اجتماعي، ورغم تجربتك مع المرض، لم تفقدي رغبتك في العلم والنفع والتميز، وهذا في حد ذاته دليل على هِمَّة باقية لم يطفئها التعب، فاحمدي الله على هذا القدر من العزيمة الذي لا يزال حيًّا فيك.
ثانيًا: الذي لفت انتباهي هو ربطك بين قيمة الإنسان وبين مسمى تخصصه أو مهنته، وهذا فهم يستحق أن نتوقف عنده قليلًا؛ لأن الميزان الذي وضعه الله لتقويم الناس ليس المنصب ولا الشهادة، وإنما التقوى والعمل الصالح، والنفع الذي يقدمه المرء لغيره، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
فالطبيب الذي يداوي بنية صادقة، والمعلمة التي تربي جيلًا، والممرضة التي تخفِّف ألم مريض، كلهم في ميزان الله سواء إن صلحت نياتهم، بل قد تسبق الأخيرة الأولين إن كان قلبها أخلص وعملها أدوم، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل، فلا تجعلي همك أن تكوني في مصاف الأطباء والمهندسين شكلًا، واجعلي همك أن يكون عملك، أيًّا كان، بابًا من أبواب الخير الذي يبقى أثره بعد انتهاء الدوام وانتهاء الشهادة.
ثالثًا: سؤالك عن أحب التخصصات إلى الله، فليس في الشريعة تخصيص علم دنيوي بعينه بأنه الأحب إلى الله دون غيره، وإنما الميزان هو النية والنفع، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ. وَعَبْدِ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ»، فأي تخصص تتعلمين فيه علمًا نافعًا، وتؤدين فيه الأمانة، وتخدمين به عباد الله، فهو من أحب الأعمال إلى الله إن صلحت فيه نيتك.
رابعًا: بما أنك ترغبين في تخصص تقل فيه المخالطة، فإن الكليات التطبيقية غالبًا ما تضم أقسامًا نسائية منفصلة تمامًا، خاصة في التخصصات الصحية المساندة كالتمريض والمختبرات والأشعة والعلاج الطبيعي، وكذلك في تخصصات إدارية وتقنية متعددة، وأنصحك ألا تحصري الاختيار في مخيلتك قبل أن تسألي عمادة القبول في تلك الكلية بنفسك عن الأقسام النسائية المتاحة فيها، ودرجة الفصل بين الطلاب والطالبات في كل قسم، فقد تجدين خيارًا لم يخطر ببالك يجمع بين رغبتك في العلم النافع، وراحة قلبك من جهة الاختلاط.
خامسًا: إن توفر قسم للدراسات الإسلامية أو التربية فلا تترددي، فهو مسار شريف تخدمين به دينك ومجتمعك، أمَّا إن لم يتوفر، فاسألي الله الاستخارة، ثم اختاري أقرب التخصصات المتاحة إلى ميولك ونفعك للناس، فالخيرة فيما اختاره الله لك بعد استشارتك وبذل أسبابك.
سادسًا: أمَّا ما ذكرته عن حزن والدتك، فهذا الأمر يحتاج منك حديثًا صريحًا وهادئًا معها، لا بالاعتذار المستمر عن كونك لن تدخلي كلية طب أو هندسة، بل ببيان أن تعبها لم يذهب سدى، فأنت اليوم إنسانة تحمل همًّا بالعلم والنفع رغم مرضك، وهذا وحده ثمرة تربية، وذكريها إن احتجت بأن رضا الله عن العبد لا يقاس بمسمى شهادته، وأن كثيرًا ممن حملوا ألقابًا بسيطة كانوا أثقل ميزانًا عند الله ممن حملوا أرفع الشهادات.
سابعًا: الأمر الآخر الذي أحب أن أتوقف عنده بلطف، هو ما ذكرته من خوف من الوضوء في الجامعة، وخشية كشف الشعر، وخوفك من سلس البول، أختي الكريمة، هذه المخاوف بصورتها التي وصفتها أقرب إلى وساوس القلق منها إلى مخالفة شرعية حقيقية، فالمرأة تتوضأ وتزيل ما يستر شعرها في مكان مخصص للنساء أو في دورة مياه خاصة، وهذا لا حرج فيه شرعًا البتة، فالحرج إنما يكون في كشف الزينة أمام الأجانب في العلن، لا في الوضوء في مكانه المعتاد.
ثامنًا: أمَّا الوسواس المتعلق بخوف حدوث ما لم يحدث بعد، فقد جاء في الحديث ما يُبيِّن أن مجرد الشعور بالوسوسة ليس إثمًا، بل قال النبي ﷺ لأصحابه حين سألوه عن مثل هذه الخواطر: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، أي أن استعظامك لهذه الوساوس ومحاولتك دفعها دليل على سلامة إيمانك لا على ضعفه، فلا تدعي هذه الأفكار تكبر في نفسك حتى تحبسك في البيت.
تاسعًا: لا بد أن أذكرك بأمر مهم، وهو أنك ذكرت أنك تتعالجين من مرض نفسي، ولديك متابعة سابقة مع أطباء، فإن استمرار مثل هذه المخاوف المتعلقة بالطهارة والقلق الشديد من مغادرة البيت، هو بالضبط ما ينبغي أن تعرضيه على طبيبك أو معالجك المختص بصراحة تامة، فهو الأقدر على تمييز ما إذا كانت هذه الأفكار جزءًا من القلق الذي تعانين منه، ويمكن التعامل معه بخطوات علاجية وتدريجية، لا بالانعزال، واستمرار المتابعة الطبية والالتزام بها أمر لا غنى عنه في حالتك، وطلب هذه المساعدة ليس تقصيرًا في التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب الذي أمرنا الله به.
عاشرًا: سؤالك: هل أذهب للجامعة أم أجلس في البيت؟
البقاء في البيت هربًا من القلق سيريحك اليوم، لكنه سيوسع دائرة الخوف غدًا، فكل باب تتجنبينه يكبر في نفسك حجمه، لذلك أنصحك أن تبدئي بخطوات صغيرة قبل بدء الدراسة: زيارة للكلية للتعرف على المرافق، والتحدث مع مرشدة أكاديمية هناك عن الأقسام النسائية، وتمرين نفسك تدريجيًّا على الخروج والاختلاط بالناس في أماكن آمنة أولًا، واجعلي معالجتك النفسية شريكًا في هذه الخطوة، فهي ستساعدك على تقسيمها إلى خطوات لا تفوق طاقتك.
وأخيرًا: لا تحمّلي نفسك عبء أن تكوني مرموقة بمقياس الناس، واطلبي أن تكوني مرموقة عند الله بصدق نيتك وصبرك على قدرك، فأنت لست مطالبة بأن تضاهي الطبيب أو المهندس، بل مطالبة بأن تحسني ما بين يديك، وتتوكلي على الله في الباقي.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يمن عليك بالشفاء التام، وأن يهديك سواء السبيل.