حزين على نفسي وأنا أرى المنكرات، فهل أترك المحل الذي أعمل فيه؟
2026-08-06 00:00:08 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي قلقٌ بسبب المحل التجاري، فلم أعد أحتمل التعامل مع بعض الناس، وحتى الحي الذي أعمل فيه حيٌّ شعبيٌّ، وفيه بعض المشاغبين، وأرى فيه المنكر في أغلب الأوقات، وهذا الأمر يؤذيني كثيرًا، والله العظيم، قبل أن آتي إلى هذا المحل، كنت ملتزمًا بالصلاة وقراءة القرآن، أشعر أن عليَّ أن أترك هذا المحل.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ عبد الصمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا، ونسأل الله أن يكون في كلامنا ما يخفف عنك ويعينك على أمرك.
أخي الكريم، فهمنا من رسالتك أنك تعيش حالةً من القلق والضيق النفسي بسبب بيئة عملك؛ فأنت تعمل في محلٍّ تجاريٍّ وسط حيٍّ يغلب عليه طابع الفوضى والمخالفات الشرعية، وترى فيه المنكر بشكلٍ يوميٍّ، حتى صرت تشعر أن هذا المكان يسحبك بعيدًا عما كنت عليه من التزامٍ بالصلاة وقراءة القرآن قبل أن تلتحق بهذا العمل، وهذا الشعور بالحزن والألم الذي تصفه أمرٌ طبيعيٌّ جدًا، حين يحس الإنسان أن دينه وقربه من ربه يتأثران سلبًا بمحيطٍ لا يريده لنفسه.
هذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين اثنتين:
الزاوية الأولى: أثر البيئة والرفقة على القلب والسلوك، وقد بين النبي ﷺ هذا الأثر بأبلغ تشبيهٍ حين قال: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». رواه البخاري ومسلم، فالإنسان يتأثر بمن حوله، شاء أم أبى؛ ولذلك قال الله تعالى في وصف يوم القيامة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}، وهذا يشمل بالمعنى الأوسع كل قرينٍ ومحيطٍ يبعدنا عن طاعة الله، وقد قال أحد الشعراء في هذا المعنى:
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ .. فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقْتَدِي
والزاوية الثانية: موازين الرزق والدين؛ فالمؤمن مطالبٌ أن يسعى في طلب الرزق، لكنه في الوقت نفسه مأمورٌ ألَّا يجعل هذا السعي سببًا في هدم علاقته بربه؛ فالرزق مضمونٌ بتقدير الله، أمَّا القرب من الله فهو الذي يحتاج إلى حرصٍ وحفظٍ، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- في هذه المرحلة:
• أن تصلي صلاة الاستخارة بقلبٍ حاضرٍ، وتسأل الله أن يشرح صدرك لما فيه خيرٌ لدينك ودنياك؛ فصلاة الاستخارة ليست مجرد شعيرةٍ، بل هي تفويضٌ حقيقيٌّ لله في أمرٍ يحيرك.
• ننصحك أن تنظر بهدوءٍ وبعيدًا عن رد الفعل الانفعالي، في إمكانية البحث عن عملٍ بديلٍ، في بيئةٍ أهدأ وأقرب إلى ما تريده لنفسك، دون أن يكون القرار متسرعًا، بل بعد تدبرٍ وسؤال أهل الخبرة ومن تثق بدينهم ورأيهم.
• إلى أن يتيسر لك ذلك، احرص كل الحرص على ألَّا تفرط في الصلاة، مهما ضاق بك الوقت أو المكان؛ فحتى لو صليت في ظروفٍ غير مثاليةٍ، فحافظ على الفريضة في وقتها؛ فهي الرابط الذي يحميك من الانجراف.
• أكثر من الاستغفار والذكر في أثناء عملك؛ فالذكر يحصن القلب حتى وسط البيئات الصعبة.
• لا تدع الشعور بالتقصير يدفعك إلى اليأس أو الانسحاب الكلي من العبادة، بل اجعله دافعًا للعودة لا سببًا للانقطاع.
تذكر أخي، أن الابتلاء بالبيئة الصعبة قد يكون في حد ذاته فرصةً لتقوية إيمانك، واختبار صدق التزامك؛ فالثبات وسط الفتنة أعظم أجرًا من الثبات في بيئةٍ آمنةٍ، وقصص الصالحين مليئةٌ بمن صبروا في بيئاتٍ صعبةٍ، حتى فتح الله عليهم أبوابًا لم تكن في الحسبان.
نسأل الله أن يُيَسِّر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.