أمي تأمرني بترك صديقتي التي هي بحاجة شديدة لي، فماذا أفعل؟

2026-08-16 00:37:53 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لي صديقة تصغرني بعامين، وأنا عمري 16 عاماً؛ هي فتاة طيبة، حسنة المعشر، وعلى قدر من الخلق والدّين، تسعى لإتمام حفظ القرآن في مركز التحفيظ الذي نرتاده كلتانا، وتحاول جاهدة أن تحسن علاقتها بربها، وأن تلتزم بصلاتها، وقد وصلت في ذلك لمرحلة جيدة -بفضل الله-، وكانت دائماً تشكرني على أني كنت أساعدها وأوجهها.

المشكلة الوحيدة التي يمكن أن تكون متعلقة بها؛ هي أنها تعاني من بعض المشاكل النفسية التي تتعرض لها غالب الفتيات في مثل عمرها، وفي بداية مرحلة المراهقة، وهي لم تجد صديقة سواي تشاركها مشاكلها، وتتفهمها، وتحاول مساعدتها، وقد استأمنتني على قلبها، ودينها، وأسرارها، وحياتها؛ وذلك نظراً لأني أكبرها قليلاً، وقد منّ الله عليَّ -وله الحمد على ذلك- بأني أصبحت أملك قدرة على تمييز حقيقة المشاعر والآراء، وفهم دوافع الشخصيات من تصرفاتهم وحديثهم.

ولهذا فقد وجدت تلك الصديقة العزيزة فيَّ ملاذاً ونجاة لها من غياهب الظلام الذي يقحمها عقلها فيه.

المشكلة الآن أن أمي ترى أنها يمكن أن تؤثر عليَّ بشكل سلبي، وقد حاولت إقناعها بأني أحاول جاهدة ألا أتأثر بها، وأستعين بالله على ذلك، وأنني أفكر بشكل مختلف، وأعي جيداً أن مشاكل صديقتي التي تحكيها ليست بالسوء الذي تتخيله هي، وهي بشكل غير واعٍ منها تقوم بتضخيم الأحداث بشكل كبير نسبياً.

بالأمس طلبت مني أمي أن أترك صداقتي معها، وألا أحادثها مجدداً إلا حين نلتقي في مركز تحفيظ القرآن -والذي لا ألتقيها فيه إلا مرة واحدة أسبوعياً؛ نظراً لعدم تفرغي في أوقات ذهابها الأخرى-.

مشكلتي أنني أخشى أن أفعل ما تطلبه مني أمي، وأن أتركها في تلك المرحلة الحرجة في حياتها بعد أن وثقت وتعلقت بي، وبعد أن اتخذتني قدوة لها، وتحاول أن ترتدي حجاباً كاملاً، وأن تحفظ القرآن قريباً بالكامل.

سؤالي هو: هل إن وجدت فرصة للتواصل معها عبر الإنترنت، وأكملت مساعدتها دون علم أمي، هل أحمل على ذلك وزراً، أو أكون عاقّة بها؟

شكراً جزيلاً.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونشكر لك صدقك في طرح ما يشغل بالك بهذا الوضوح.

فهمنا من رسالتك أنك تحملين قلبًا رقيقًا تجاه صديقتك، وحرصًا صادقًا على إعانتها في مرحلة حساسة من حياتها، وهذا خلق كريم يدل على حسن نيتك، وطيب معدنك؛ فمساعدة الأخريات على الثبات والاستقامة من أجلّ الأعمال التي يحبها الله، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، فلا نشك في صدق مشاعرك، ولا في حسن قصدك.

لكن لا بد أن نتوقف معك عند جوهر سؤالك، وهو التواصل مع صديقتك دون علم أمك.

ابنتي الكريمة: بر الوالدين من أعظم ما أمر الله به بعد توحيده، يقول تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريمًا)؛ فطاعة الأم في كل ما ليس فيه معصية لله واجبة، وأمرها إياك بترك التواصل مع صديقتك خارج أوقات معينة ليس معصية لله، بل هو من صميم حقها عليك في رعايتك وحمايتك، ومهما كانت نيتك طيبة فإن الوسيلة إلى الخير لا تكون بمخالفة أمر الأم وإخفاء أمر عنها، فالغاية النبيلة لا تبرر وسيلة فيها نوع من عدم الصدق مع من له عليك حق الطاعة والاحترام، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد)، فرضا أمك عنك أعظم بركة تسعين إليها، وقد قال الشاعر/ حافظ إبراهيم واصفًا مكانة الأم في تربية أبنائها:

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها ** أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ

فثقي أن رضا أمك، وطاعتها فيما أمرت به لن يضيع لك أجر مساعدة صديقتك، بل هو باب آخر من أبواب الخير قد فتحه الله لك، ولا يلزم أن يكون طريق البر لصديقتك عبر مخالفة أمك.

ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-، أن تعاودي الحديث مع والدتك بهدوء وسكينة بعيدًا عن لحظة الانفعال، واشرحي لها بالتفصيل شخصية صديقتك، وأثرك الإيجابي فيها، واطلبي منها أن تتعرف إليها بنفسها ولو من بعيد؛ فقد يزول قلقها حين تراها، أو تسمع عنها من مصدر تثق به غيرك، واقترحي عليها صيغة وسطى ترضيها، كأن تكون بعض المكالمات القصيرة بعلمها أو بحضورها؛ فهذا أدعى لطمأنتها، وحفظًا لثقتها بك في آن واحد.

أما التواصل اليومي المعتاد، فاجعليه في اللقاء الأسبوعي الذي يجمعكما في مركز التحفيظ؛ فهو فرصة كافية لتجديد الدعم، والكلمة الطيبة، والدعاء لها، ولا تستهيني بأثر هذا اللقاء ولو كان قصيرًا.

أما ما يخص صديقتك من مشاعر ومشكلات نفسية تمر بها:

فنحب أن ننبهك إلى أننا لا نستطيع أن نشخص حالتها من بعيد، ولا نريدك أنت أيضًا أن تحملي عبء تشخيصها أو علاجها بمفردك؛ فهذا حمل أكبر من طاقة صديقة وإن كانت مخلصة، ومن رحمة الله بها أن ييسر لها من يعينها من أهلها، أو معلمة موثوقة في مركز التحفيظ، أو أخصائية نفسية مؤهلة تتحدث معها بما لا تستطيعين أنت تقديمه، فشجعيها بلطف على ذلك، واذكري لها أن طلب العون ليس ضعفًا بل هو حكمة ورغبة صادقة في الشفاء، وأنت بذلك تكونين قد أعنتها على أخذ الأسباب الصحيحة دون أن تتحملي وحدك عبئا ليس من شأنك.

تذكري -ابنتي- أن الخير الذي بدأته مع صديقتك من توجيهها إلى الصلاة والقرآن قد أثمر -بفضل الله-، وأن الله هو الذي يتولى القلوب ويثبتها، فلا تظني أن انقطاع تواصلك اليومي معها سيهدم ما بنته هي بنفسها من علاقة مع ربها؛ فالتوفيق من الله وحده، وأنت لست إلا سببًا يسره الله لها، وقد يهيئ الله لها أسبابًا أخرى إن قدّر الله ذلك.

نسأل الله أن يبارك في برك بأمك، وأن يجزيك خيرًا على حسن صنيعك مع صديقتك، وأن يثبت صديقتك على طاعته، وأن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net