طالبة في أهم سنة دراسية تعاني فتور الهمة، كيف تستعيد شغفها؟
2026-08-19 02:43:22 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنتُ أقول في سنواتي الدراسية السابقة: (هنيئًا لهم، ضميرهم لا يؤنبهم)، و(هنيئًا لهم، لا يهتمون... وهنيئًا لهم ..)، و(يا ليت عندي ربعُ عدم مبالاتهم).
والآن، وفي أهم سنةٍ في حياتي، اكتسبتُ هذه اللامبالاة التي أتمنى من كل قلبي أن تتلاشى من حياتي الدراسية؛ لأنني وصلتُ إلى مرحلةٍ أذهب فيها إلى امتحانٍ لم أدرسه، وكأن الأمر شيءٌ طبيعي إلى حدٍّ ما.
المشكلة الكبرى أنه رغم كِبر خطئي، فإنني عندما أرى الطلاب يحلون ويحصلون على درجاتٍ جميلة، أغبطهم، وأقول في نفسي: اليوم سأعمل، اليوم سأفعل، اليوم...
وعندما تطأ قدماي أرض منزلي، أتكاسل وأنام ساعاتٍ طويلة، فلا يبقى من يومي شيء، ثم أستيقظ، وألهو قليلًا مع الأهل، وأسرح تارةً أخرى، ثم في الليل أشعر بالنعاس وأنام مرةً أخرى، وهكذا... ولا يبقى لي من القوة شيء.
وهكذا مرت ثلاثةُ أشهرٍ هباءً منثورًا.
وهكذا أيضًا مع القرآن... كلُّ شيءٍ تغيَّر.
وأنا على يقينٍ تامٍّ أنه إن اهتممتُ بمصحفي، فسيعود كلُّ شيءٍ إلى طبيعته، لكنني أشعر وكأن أغلالًا قد كُبِّلت بها يداي، تمنعني من فتح المصحف.
أريد التغيير! هل يوجد حل؟! لقد تعبتُ حقًّا...
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا، ونشكر لك صدقك في وصف حالك، فهذا الصدق مع النفس هو أول خطوة في طريق العلاج.
فهمنا من رسالتك ابنتي أنك كنت في سنوات سابقة تعجبين من عدم اكتراث بعض زميلاتك بدراستهن، وتتمنين لو كان لديك جزء من هذا الهدوء، ثم وجدت نفسك اليوم، في أهم سنة من حياتك الدراسية، قد وقعت فيما كنت تستغربينه من غيرك، فأصبحت تدخلين الامتحان دون تحضير وكأن الأمر عادي، ثم تعودين إلى البيت فيغلبك الكسل والنوم الطويل، حتى مر عليك ثلاثة أشهر كاملة كأنها لم تكن، وامتد الأمر إلى علاقتك بالقرآن الكريم الذي تشعرين تجاهه بيقين أن العودة إليه ستعيد لك توازنك، لكنك تجدين كأن يدك مقيدة عن فتح المصحف.
هذا الذي تصفينه ليس كسلاً عاديًا بالمعنى السطحي، بل هو ما يسميه العلماء فتور الهمة، وهي حالة تصيب القلب قبل أن تصيب الجسد، ويشهد لها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)، فالفتور بذاته أمر بشري متوقع يمر به المؤمن الصادق، والمقياس الحقيقي ليس أن تخلي من الفتور، بل أن ترجعي منه إلى هدي النبوة لا إلى الاستسلام الكامل.
ومما يطمئنك أنك ما زلت تحملين في داخلك ذلك الصوت الذي يعاتبك ويشتاق للعودة، وهذا بذاته نعمة عظيمة، فالقلب الذي لا يزال يتألم من بعده عن الطاعة قلب حي لم يمت.
أما عن سبب هذا الفتور، فيمكن أن ننظر إليه من زاويتين.
الأولى: أن يكون سببه إرهاق نفسي متراكم، ناتج عن ضغط سنة مصيرية، فيتحول جسدك ونفسك إلى حالة من الانسحاب واللجوء إلى النوم، كوسيلة هروب من مواجهة الاستحقاقات، وهذا شائع جدًا بين طلاب هذه المرحلة، ولا يستدعي قلقًا مبالغًا فيه.
والثانية: أن يكون هذا الفتور قد بدأ صغيرًا، ثم كبر بفعل التسويف نفسه، فكل يوم تؤجلين فيه العمل يزيد الحاجز النفسي سمكًا، حتى صار (اليوم سأبدأ) عبارة تتكرر دون أن تتحول إلى فعل.
من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله أن تبدئي بالأصغر لا بالأكبر، فبدل أن تفرضي على نفسك استعادة كل شيء دفعة واحدة، اجعلي هدفك اليومي مع القرآن آية أو صفحة واحدة لا أكثر، فالمقصود كسر الجدار النفسي الذي يمنعك من فتح المصحف أصلاًَ لا إنجاز ورد كامل من أول يوم، ويشهد لهذا المبدأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، فالاستمرار على القليل خير من انقطاع عن الكثير، وكذلك في الدراسة، اجعلي جلسة المذاكرة الأولى خمس عشرة دقيقة فقط بلا شروط، فالنفس تقاوم البداية أكثر مما تقاوم الاستمرار، فإذا تجاوزت عتبة البداية غالبًا ما تستمرين من تلقاء نفسك.
ومن المهم أيضًا أن تربطي وقتك بالصلوات بدل أن تتركيه فضفاضًا، فاجعلي ما بعد كل صلاة نافذة عمل صغيرة، عشر دقائق قرآنًا بعد الفجر، نصف ساعة مذاكرة بعد العصر، وهكذا، فالصلاة حين تكون محاور ليومك تمنحك إيقاعًا يحفظك من الانجراف الكامل في الفراغ الذي وصفته، ولا تنسي نصيبك من الاستغفار في هذه المرحلة، فقد قال الله عز وجل: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى)، والاستغفار هنا إعلان صادق برغبتك في التغيير يستفتح لك أبواب التوفيق.
كذلك من المفيد جدًا في سنك أن تشركي أحد والديك، أو معلمة تثقين بها في متابعتك، لا على سبيل المحاسبة القاسية، بل كسند يعينك على الثبات، فالإنسان في مثل هذه المرحلة يحتاج من حوله لا ليضغطوا عليه، بل ليذكروه برفق حين يغفل.
أما عن التغيير في ذاته، فتذكري أن الله سبحانه لا ينظر إلى كبوتك السابقة بقدر ما ينظر إلى صدق عودتك، وأن كل يوم تبدئين فيه من جديد هو فرصة كاملة لا يفسدها ما قبلها، فلا تجعلي شعورك بالذنب تجاه الأشهر الماضية سببًا إضافيًا للتوقف، فباب التوبة والبداية الجديدة مفتوح.
ابنتي الكريمة: إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء والتوكل عليه في خلواتك أمر لا بد منه في مثل هذه المرحلة، فارفعي يديك، وقولي له ما قلته لنا بصدق، فهو سبحانه أقرب إليك من كل أحد، وقد قال جل شأنه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
نسأل الله أن يفك عنك هذه الأغلال التي تشعرين بها، وأن يعيد إلى قلبك حلاوة القرآن ولذة الطاعة، وأن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل.