لم أجد من زوجة أبي ما وجدته من أمي من شتم وإيذاء..فكيف أبرها؟!

2026-08-19 02:49:37 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله أن يعينني على بر أمي وألا يجعل شكواي منها عقوقًا.

أمي -هداها الله- شديدة الغضب، كثيرة الصياح والسب والدعاء بالسوء، وترفع صوتها حتى يسمعه الجيران، وقد صار هذا الأمر يتكرر، حتى أصبح الجلوس معها يورثني ضيقًا شديدًا، وخوفًا على ديني وقلبي.

والدي تزوج امرأة أخرى قديمًا، وبينها وبين أمي عداوة شديدة، وقد عشت مع زوجة أبي فترات طويلة، فرأيت منها خيرًا، ولم أجد منها نحوي ما أجده من أمي من الشتم والإيذاء، وإن كانت بينها وبين أمي خصومة.

كما أن أمي لا تصلي -فيما أعلم-، وقد تطلب مني أحيانًا تأخير الصلاة في المسجد لأمور دنيوية، كطعام، أو حاجة، فإذا رفضت غضبت، ورفعت صوتها.

ومما يزيد الأمر تعقيدًا أنها أصبحت تتهمني أحيانًا بأنني أفعل أشياء، أو أُحسن التصرف مع زوجة أبي أكثر منها، وكأنني أميل إليها، أو أُفضّلها، مع أنني أحاول العدل والبر قدر استطاعتي، كما أن العلاقة داخل البيت أصبحت متوترة جدًا، حتى إن إخوتي ووالدي صاروا يظهرون نفورًا منها بسبب كثرة المشاكل، وسوء التعامل، وربما أكون أنا آخر واحد من بين إخوتي بدأت أشعر بهذا النفور، رغم أنني أحاول كتمه قدر الإمكان، وقد سبق في فترة من الفترات أن وصلت الخلافات إلى حد أن الطلاق كان مطروحًا أو قريبًا من الوقوع، لولا أن الله لطف.

أنا أحاول غالبًا أن أسكت وأبتعد، وأقول لها: اخرجي من غرفتي، وافعلي ما شئت خارجها، فلا أريد الخصام، لكن كثرة الاستفزاز، والسب والدعاء عليّ أوصلتني مرة إلى غضب شديد، فرفعت صوتي عليها، بل وضربتها ضربًا يسيرًا، وأنا أعلم أن هذا لا عذر لي فيه، وقد ندمت، وخفت من الله؛ فالله تعالى يقول: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا)، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد....».

المشكلة أن أذاها لم يعد حادثة عابرة، بل صار خُلُقًا يخشاه أهل البيت، بينما تظهر أمام الغرباء بصورة مختلفة تمامًا، وإذا وقع خلاف نشرت تفاصيله بين الناس، وأدخلتهم فيه، وقد تذكرت قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن يتركه الناس اتقاء فحشه، فما الواجب عليّ شرعًا؟

أخشى فوق كل شيء أن تقودني كثرة مخالطتها إلى الغضب، والعقوق، وقسوة القلب، فأخسر رضا الله بسبب لحظات لا أملك فيها نفسي.

دلّوني على الطريق الذي يجمع بين حق الأم، وحفظ ديني ونفسي من الوقوع فيما يغضب الله.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الكريم- في استشارت اسلام ويب، وقد قرأت رسالتك، والجواب كالآتي:

أولاً: قبل كل شيء، وقبل الدخول في تفاصيل حل مشكلتك، أوصيك بوالديك برًا وخيرًا، ولا سيما أمك؛ فقد أمرنا الله تعالى ببر الوالدين، قال تعالى: (وبالوالدين إحسانًا)، قال القرطبي: "الإحسان إلى الوالدين هو برّهما، وحفظهما، وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما"، ولذلك عليك بالصبر الجميل؛ لا سيما مع أمك، ولا تنس قول الله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) [الإسراء:23]، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرها ووضعته كرهاً وحمله وفصله ثلاثون شهرًا) [الأحقاف:15].

والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب؛ ومنها على سبيل المثال: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي، قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك".

وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين" (رواه الترمذي).

‏ثانيًا: وأما ما ذكرت من إيذاء الوالدة لك: فعليك بالصبر على إيذائها، مع محاسبة نفسك؛ فربما يكون هناك خلل من عندك، فيقابل بشدة من قبل الوالدة، مع التذكير ببر الوالدين، ولا بأس بالجلوس مع الوالدة، والسؤال عن سبب هذه المعاملة، وإذا كانت هذه المعاملة من قبل الوالدة دون سبب، فينبغي السعي في إزالة هذا الأذى عن طريق أخوالك وخالاتك بالنسبة للأم.

‏ثالثًا: الوالدان ليسا كغيرهما؛ فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما، والإحسان إليهما، ولو كانا كافرين، مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما، وصده عن الحق، ورده من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا) [لقمان:15]، فالمقصود من هذا كله بيان منزلة الوالدين وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد أو البنت الإساءة إلى الوالدين، والسعي في إيذائهما، أو إلحاق الضرر بهما، وإن أساءا إليك، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء.

‏رابعًا: ذكرت أمرًا عن الوالدة أنها لا تنفك عن إيذائك، وأنها أتمت الخصام مع إخوانك، وضاقوا منها ذرعًا: فالصبر الجميل هو وصيتي لك ولإخوانك؛ فالله الله في أمكم، وقد يكون زواج أبيك من امرأة أخرى أثّر على سلوكيات الوالدة معكم، فراعوا هذا الأمر، وفعلاً قد تكون الأم مسيئة معكم، لكن هذا ابتلاء ابتليتم به، فتأمل هذا المعنى، فالناس تختلف ابتلاءاتهم، ومنهم من يبتلى بوالديه؛ وذلك فالصبر الجميل هو الحل الوحيد، ومقابلة الإساءة بالإحسان.

خامسًا: ‏وأما ما ذكرت من كونك تطرد أمك من الغرفة، وتطلب منها الخروج من غرفتك، أو ترفع صوتك عليها: فهذا خطأ جسيم، ولا يجوز لك فعل ذلك، وأما ما ذكرت من ضربك لأمك، ولو كان ضربًا يسيرًا، فاعلم أنه عنوان الشقاء، وحلول الغضب من الله عليك، فلا بد أن تعرف أن الأمر عظيم وجسيم، ومن كبائر الذنوب، ولست في مجال ‏المصانعة معك، وإنما أنا في مقام النصيحة، فاتق الله عز وجل في كونك تضرب أمك؛ فإن هذا لا يفعله إلا شقى غير موفق، ولكن من تاب تاب الله عليه، مع طلب العفو والصفح من أمك، ثم حاول أمام أمك عدم ذكر زوجة أبيك لا بخير ولا بشر، وهذه نقطة لابد أن تنتبه لها، فربما رأت أمك من إكرامك لزوجة أبيك ومدحك لها ما أثار غيرتها وظنت أنك تميل إليها أكثر منها؛ لذلك أكرم والدتك بالقرب منها والصبر عليها ونصحها حال هدوئها بالصلاة والإقبال على الله، وأحسن معاملة زوجة والدك بعيداً عن معرفة والدتك.

وختامًا: أسأل الله لك التوبة والإنابة إلى الله، والبر بالوالدين، وخاصة الأم، اللهم آمين.

www.islamweb.net