انتكست فجأة وضعفت صلاتي وتغيرت حياتي وأصبحت بلا مشاعر!

2026-08-25 01:23:12 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي استفسار وسؤال يحيرني.

كنتُ أعيش خارج بلدي طالبًا أدرس في الخارج، والحمد لله كنت ملتزمًا بصلاتي وأذكاري، والقرآن لا يفارقني إلى حد الآن، فأينما ذهبت فهو معي، لكن أتتني انتكاسة في حياتي لم أر مثلها، وأنا أعلم وعلى يقين أن مثل هذا قد يحدث لأي إنسان.

الحمد لله، أنا شخص ناضج وواعٍ، ولديَّ حكمة وحسن سيرة وسلوك مع الناس جميعًا، ولم أضر أحدًا في حياتي، ولم أظلم أحدًا قط، لكن فجأةً أتتني هذه الانتكاسة، ولم تعد لديَّ أي نية أو قابلية لأن أصلي أو أقرأ القرآن، وكلما فعلتُ ذلك تعبت، وصرتُ إنسانًا عصبياً، وأشعر بأن الشيء الذي أحتاج إليه يتوقف فجأةً -أستغفر الله-، وأنا أعلم أن هذا غير صحيح، لكن ضاقت بي الدنيا، ووصلتُ إلى مرحلة تمنيتُ فيها أن أنهي هذا العذاب الذي أنا فيه.

كانت حياتي جيدةً، وكنتُ إنسانًا يعيش راضيًا بكل شيء -ولله الحمد-، لكنني لا أعرف ماذا حصل لي بالضبط!

وقد ارتكبتُ ذنوبًا كثيرةً؛ منها الاختلاط في الجامعة بالبنات الأجنبيات، وتطور الأمر إلى أشياء أخرى دون الوطء، كما جربت الكحول مرةً واحدةً في حياتي قبل أربع سنوات، ولم أعد إليه بعد ذلك.

لم أعد أشعر بأنني إنسان يعيش ولديه مشاعر، وإنما أنام وأستيقظ فقط، وقد فضلت العيش في بلدي بدلًا من الخارج؛ لعل هذا الشعور ينتهي، لكن للأسف لم يتغير شيء، وبعد تفكير طويل بيني وبين نفسي، توصلتُ إلى أمر لا أجد من يفهمني فيه أو يصدقني.

يا شيخ، أنا إنسان أحب القصص القديمة عن الرسول ﷺ وعن الرسل أجمعين، إلى أن قرأت قصة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، ثم رأيتُ رؤيا كأنني في صحراء، وفجأةً نزلت بي الأرض إلى مدينة كبيرة، وقلتُ في نفسي: إنها إرم ذات العماد.

وفجأةً استيقظتُ، وإذا بصوت الرمال التي نزلت بي ما زلت أسمعه، وكان رأسي يؤلمني، وأنفي ينزف، والحمد لله كان أبي وأمي شاهدين على حالتي في ذلك اليوم.

ومنذ ذلك الوقت لم أعد كما كنتُ قبل الدراسة في الخارج وقبل كل ما حدث؛ فلا أشعر بصلاتي، ولا بالفرح، ولا بالحزن، ولا بأي شيء.

أسأل الله إن توفاني أن يغفر لي، ويسامحني، ويرضى عني، وأن يشفيني عاجلًا غير آجل.

وشكرًا لكم، وأسأل الله أن يطيل أعماركم، ويوفقكم في الدنيا والآخرة؛ لما تقدمونه من خير للناس.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج كربك، ويرد إلى قلبك سكينته وإقباله عليه، ويغفر لك ما مضى، ويحفظك من كل سوء.

رسالتك تجمع بين أمور متعددة: ذنوب وقعت فيها، وفتور شديد في العبادة، ورؤيا ربطت بها تغير حالك، وضيق بلغ بك تمني انتهاء حياتك؛ ولذلك ينبغي ألَّا نجمع هذه الأمور كلها تحت تفسير واحد، وأن ننظر إليها نظرةً كليةً؛ لذا دعنا نجيبك من خلال ما يلي:

أولًا: ما ذكرته من العلاقات المحرمة، وما تجاوز ذلك من الأفعال، وكذلك تجربة الخمر، كل هذه معاصٍ يجب ألَّا نهون من شأنها، فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]، وقال في الخمر: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90].

ولا شك أن هذه من الكبائر التي يُخشى على صاحبها من الهلكة إن مات عليها، لكن إذا أقلعت وندمت وعزمت ألَّا تعود، فقد فتح الله لك بابًا أعظم من ذنبك، فقال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53]؛ فلا تجعل الندم يقودك إلى اليأس، بل اجعله يقودك إلى إصلاح ما بقي من عمرك.

ثانيًا: لا تربط العبادة بالشعور بلذتها؛ فأنت تقول إنك لم تعد تشعر بالصلاة والقرآن كما كنت، بل أصبحت تتعب وتضيق، وهنا ينبغي أن تعرف أن المسلم لا يعبد الله حين يجد لذة العبادة فقط؛ فقد يقبل القلب حينًا ويفتر حينًا، ويبقى العبد محافظًا على فرائضه في الحالين، فلا تنتظر أن تعود مشاعرك القديمة حتى تصلي، بل صلِّ حتى وإن كنت تثاقل نفسك، واقرأ من القرآن ولو صفحةً يوميًا، ورب سجدة تؤديها وأنت تجاهد نفسك تكون بابًا لعودة قلبك إلى الله.

كذلك لا تحمل نفسك برنامجًا كبيرًا، بل يكفيك في البداية أن تحافظ على الصلوات الخمس، وعلى قدر قليل ثابت من القرآن والأذكار، ثم زد بالتدريج.

ثالثًا: لا تجعل رؤيا إرم ذات العماد مفتاحًا لتفسير حياتك؛ فقد رأيت في المنام صحراء ومدينة، فوقع في نفسك أنها إرم ذات العماد، ثم استيقظت مع ألم في الرأس ونزيف من الأنف، وبعد ذلك ربطت تغير حالك بهذه الرؤيا، ونحن لا نرى دليلًا شرعيًا على هذا الربط.

فكونك كنت تقرأ قصة إرم، وتحب القصص القديمة، قد يظهر أثره في المنام، والرؤيا مهما كانت عجيبةً لا تثبت أنك رأيت إرم حقيقةً، ولا أنها أحدثت فيك شيئًا، ولا أنها سبب تغير حياتك.

أمَّا الصداع ونزيف الأنف، فأمر جسدي ينبغي أخذه بأسبابه الطبية لدى أهل الاختصاص، ولا يصح تفسيره بالرؤيا لمجرد وقوعه عند الاستيقاظ منها.

رابعًا: لا تتعجل التفسير بالسحر أو المس؛ فالسحر حق، والرقية مشروعة، ولكن ليس كل تغير في النفس أو العبادة دليلًا على سحر أو مس، فلا تدخل في رحلة البحث عن تفسير غيبي لما أصابك، ولا تنتقل بين الرقاة بحثًا عمن يربط حالك بالرؤيا.

لذا نقول لك: ارقِ نفسك بالفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذات، وحافظ على أذكار الصباح والمساء، واقرأ سورة البقرة؛ فهذا كله خير، ولكن اجمع معه التوبة، والأخذ بالأسباب، وإعادة ترتيب حياتك.

خامسًا: انتبه بشدة إلى فكرة إنهاء حياتك؛ فقولك إنك وصلت إلى مرحلة تمنيت فيها أن تنهي هذا العذاب هو أخطر ما في رسالتك، فإن كنت تقصد أنك فكرت في إيذاء نفسك، فلا تسترسل مع هذه الفكرة أبدًا، فقد قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].

وتأمَّل كيف قرن النهي عن قتل النفس بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}؛ فالذي نهاك عن إنهاء حياتك هو الرحمن الذي يستطيع أن يغيرها.

وإذا عادت إليك هذه الأفكار، فلا تبق وحدك، وأخبر والديك أو شخصًا تثق به فورًا، وابتعد عن كل ما يمكن أن تؤذي به نفسك، واطلب المساعدة العاجلة إذا خشيت أن تفعل بنفسك شيئًا.

ولا تقل: أتمنى أن يتوفاني الله، وإنما قل كما علَّم النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».

سادسًا: لقد عدت إلى بلدك ظنًا منك أن الحال سيتغير، فلم يتغير كما توقعت، وهذا يعلمك أن إعادة بناء حياتك لا تكون بتغيير المكان وحده؛ فلا تعش منعزلًا، وابحث عن عمل أو دراسة أو مشروع يشغل يومك، وصاحب الصالحين، واحضر مجلس علم، ومارس نشاطًا نافعًا، وأكثر من الجلوس مع والديك وخدمتهما، ونظم نومك ويومك، ولا تقضِ ساعات في تحليل الماضي والرؤيا، والسؤال: ماذا حدث لي؟

وابدأ -أخي- بأهداف صغيرة: الصلوات الخمس أولًا، ثم صفحة من القرآن يوميًا، ثم صلاة أو أكثر في المسجد، ثم ورد من الذكر، وهكذا حتى تستعيد انتظام حياتك.

وأنت لم تنته، وإنما مررت بمرحلة شديدة غيرتك وأتعبتك، والإيمان يزيد وينقص، والقلوب تتقلب؛ ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».

وكونك تتألم لأنك فقدت حالك القديمة، وتحمل القرآن معك، وتسأل عن طريق العودة، وتدعو الله أن يغفر لك؛ كل ذلك ينبغي أن يدفعك إلى الرجاء والعمل، لا إلى الحكم على نفسك بأن حياتك انتهت.

فلا تنتظر أن تعود مشاعرك حتى تعود إلى الله؛ عُد إلى الله كما أنت الآن: مُتعبًا، مُثقلًا، قليل الشعور، واجعل كل صلاة، وكل صفحة من القرآن -وكل باب معصية تغلقه- خطوةً في طريق الرجوع، وما أفسدته سنوات قد لا يصلح في أيام، ولكنه يصلح -بإذن الله- مع صدق التوبة والثبات.

نسأل الله أن يغفر ذنبك، ويشرح صدرك، ويردَّك إليه ردًّا جميلًا، ويحبب إليك الصلاة والقرآن، ويصرف عنك اليأس ووساوس الموت، ويجعل هذه المحنة بداية حياة أصلح وأقرب إليه، والله الموفق.

www.islamweb.net