كيف أبرّ أهلي وأختلف معهم بأدب دون أن أقع في العقوق؟
2026-09-14 00:46:43 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة، أحب والديّ كثيراً، وأخاف عليهما، وأدرك تماماً حجم تعبهما، وتضحياتهما لأجلي، أحاول جاهدة أن أبرّهما بكل ما أستطيع حرصاً على رضاهما، ولأنني لا أريد أن أندم مستقبلاً على أي تقصير في حقهما.
لكنني أواجه مشكلة تتكرر دائماً وتؤلمني؛ فعندما تحدث مشاكل صغيرة في البيت، وأحاول التعبير عن مشاعري أو رأيي، لا أجد من يستمع إليّ، أو يفهمني، ولكن بدلاً من ذلك، أسمع كلاماً يحزنني كثيراً، ويجعلني أشعر بأن محاولاتي للبر لا قيمة لها، وأُلام على المحاولة، حتى أتساءل بصدق: هل هما يحباني أم لا؟
أنا لا أنزعج من توجيههما أو نصحهما، لكنني أحزن لأنني عندما أتوقع منهما الاحتواء، وتفهّم مشاعري، واستيعاب الموقف، يحدث العكس تماماً.
ورغم أن الأمور تعود لطبيعتها بعد فترة قصيرة، إلا أن كلامهما الجارح والمواقف التي قد تبدو تافهة للبعض تترك أثراً عميقاً في نفسي، وقد حاولت البحث عن مقاطع تشرح «كيفية بر الوالدين مع وضع حدود لحماية النفس»، ولم أجد ما يروي غليلي، وأسمع كثيراً عبارة «مهما فعل أهلك يجب أن تبرهم»، ولم أقتنع بظاهرها؛ لا لأنني أريد العقوق -والعياذ بالله-، بل لأنني أريد فهماً أعمق.
أنا مدركة لفكرة أن هذه هي الطريقة التي تربوا عليها، وأنهما قد لا يجيدان التعبير، وأعلم أنني لا أستطيع تغييرهما، ولا يجب أن أنتظر منهما شيئاً.
لكنني بحكم طبيعتي الحساسة، أجد صعوبة في تقبل هذه الحقيقة عملياً، ولا أريد الاستمرار في هذه الدوامة.
أسئلتي لكم هي:
- كيف أبرّ أهلي، وأختلف معهم بأدب، دون أن يؤثر كلامهم الجارح في نفسي؟
- كيف أتقبل عملياً أن هذه طريقتهم، وطبيعتهم التي تربوا عليها دون أن أحزن؟
وجزاكم الله خيراً.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحباً بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرُّشد في القول والعمل.
بداية، عند التأمل في سؤالك سنجد قدراً كبيراً من الوعي بذاتك ومشاعرك، خصوصًا في هذا السن المبكر، وهذا أمر طبيعي في هذه المرحلة العمرية؛ ففي مرحلة المراهقة يحدث نمو واضح في الوعي بالذات، وبناء الشخصية، والاستقلال في الرأي، ويصبح التعبير عن الرأي والشعور بأن الإنسان مسموع ومفهوم حاجة نفسية مهمة، ولذلك فإن تجاهل هذه الحاجة، أو قمعها، قد يُشعر المراهق أحياناً بالرفض، أو بعدم التقدير، خصوصاً إذا صدر ذلك ممن ينتظر منهم الأمان والاحتواء.
لقد أشرتِ إلى نقطة مهمة جداً، وهي قولك: "بحكم طبيعتي الحساسة"، ويبدو أن لديك حساسية عالية تجاه الكلمات والمواقف، بمعنى أنك تتأثرين بها بعمق، وتبقين مشغولة بها مدة أطول، ولذلك فقد تكون بعض العبارات التي قد يراها الآخرون بسيطة، أو عابرة أكثر تأثيراً عليك، لأنها ترتبط عندك بشعورك بالأمان، والتقدير، والحب.
والمشكلة التي تعيشينها لا تبدو في أصلها مشكلة حب للوالدين، ولا مشكلة رغبة في التمرد، بل يبدو أن عندك شيئاً جميلاً جداً اختلط عليك معرفته حتى أتعبك، وهو حرص شديد على البر، مع حساسية عالية للمواقف، وفي الوقت نفسه توقع طبيعي للاحتواء من الوالدين، مع صعوبة في الفصل الكامل بين خطئهما في التعبير وبين قيمتك أنتِ عندهما.
موقفك لا يعني أنك على خطأ، بل إن كثيراً من جوانبه صحيح ومفهوم؛ فقد يكون بعض الآباء والأمهات نشؤوا في بيئات تربوية، كان يغلب عليها أسلوب السلطة الأبوية، أو لم يتعلموا بصورة كافية مهارات الحوار والتعبير عن المشاعر، والاحتواء، وهذا لا يعني بالضرورة غياب الحب، وإنما قد يعني أحياناً ضعف القدرة على التعبير عنه بالطريقة التي يحتاجها الأبناء.
فقد يكون الوالدان مثلاً يعبّران عن الحب من خلال توفير الاحتياجات، والحماية، والإنفاق، والاهتمام بالمسؤوليات، بينما يحتاج الابن أو الابنة أيضاً إلى الاستماع والحوار والتفهم، والتعبير اللفظي عن المشاعر، وهذه الاختلافات في طريقة التعبير قد تؤدي أحياناً إلى سوء فهم مؤلم للطرفين.
لذلك للإجابة على تساؤلاتك، وللتعامل مع هذا الواقع والعيش فيه بسلام، وعدم التأثر به بصورة سلبية، لا بد أن يكون لديك وعي واضح بمجموعة من الأمور، وأن تتدربي على استحضارها عند حدوث المواقف:
أولاً: احذري من الوقوع في الاستنتاجات المعرفية الخاطئة؛ فمن أهم أسباب التعامل الإيجابي مع هذه المواقف أن تدركي أن المشاعر القوية قد تدفع الإنسان أحياناً إلى تفسير الموقف بطريقة أشد من حقيقة الموقف نفسه؛ فمثلاً: قد تقولين في داخلك: "إما أن يستمعوا إليّ حتى أتأكد من حبهم، أو أنهم لا يحبونني"، أو "لو كانوا يحبونني لما قالوا أو فعلوا ذلك " وهنا تكمن المشكلة؛ لأنك انتقلتِ من الحكم على الموقف إلى الحكم على العلاقة كلها، ثم إلى الحكم على قيمتك أنتِ.
والصحيح أن تقولي مثلاً: "ما حدث آذاني فعلاً، وطريقتهم في التعبير لم تكن جيدة، لكن هذا لا يعني أنهم لا يحبونني"، و"قد يحبونني ويحرصون عليّ، لكنهم لا يجيدون دائماً التعبير عن هذا الحب بالطريقة التي أحتاجها"، وأيضًا "أنا متأذية من الموقف، لكن تأثري لا يعني أنني سيئة، ولا يعني أنني غير محبوبة".
هذه الطريقة تساعدك على الفصل بين ثلاثة أمور، مشاعرك، وفهمك لقدرات والديك، وعلاقتك بهما وبرّك وإحسانك إليهما؛ فليس مطلوباً منك أن تنكري حزنك، وإنما المطلوب ألا تجعلي هذا الحزن يفسر لك كل شيء، أو يحدد قيمتك عند نفسك.
ثانياً: افهمي جيداً حدود علاقة الأبناء بالوالدين، وحدود البر والطاعة.
أختي الكريمة، من أهم الجوانب في سؤالك حرصك وسعيك إلى البر، وهذا شيء عظيم، لكن البر يحتاج إلى فهم صحيح؛ حتى لا يتحول في ذهنك إلى معنى أوسع مما شرعه الله.
فبر الوالدين لا يعني أن كل ما يصدر منهما بالضرورة أنه صواب، ولا يعني أن عليك أن توافقيهما في كل شيء، ولا يعني أن شعورك بالألم من بعض كلامهما يُعد عقوقاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، فتأملي كيف جمع الله بين الأمرين، عدم الطاعة فيما لا يجوز، والاستمرار في صحبتهما بالمعروف.
وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف"، وثبت أيضاً بلفظ: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وهذا يعني أن اختلافك مع والديك في بعض وجهات النظر، أو الرغبات، أو المواقف، أو شعورك بالحزن والألم من بعض أقوالهما أو أفعالهما، لا يعني أنك وقعتِ في العقوق، ولا يعني أنك لا تحبين والديك، ولا يعني أن الله غاضب عليك.
لكن في المقابل، لا بد أن يكون تعاملك معهما بالمعروف والحسنى، وهنا ينبغي أن تفرقي بين الموقف نفسه وبين طريقة تعاملك مع الموقف، فقد ترين أن والديك أخطآ في موقف ما، ويكون من حقك أن تشعري بالألم، أو أن يكون لديك رأي مختلف، لكن ذلك لا يعطيك الحق في الإساءة إليهما، أو رفع الصوت، أو الانتقاص منهما.
وعندما تختلفين مع والديك، يمكنك أن تعبري عن رأيك بأدب وهدوء، ويمكنك أن توضحي وجهة نظرك حتى وإن كانت مختلفة، لكن ليس معنى ذلك أن كل اختلاف في الرأي يقتضي أن تفعلي ما تريدين؛ فطاعة الوالدين في المعروف باب آخر، وله تفصيله بحسب الأمر والظرف والقدرة والمصالح والمفاسد لذلك لابد من الحكمة في مثل هذه المواضع.
ولنفترض مثلاً أن موقفاً حدث في المنزل، وغضب الوالدان وقيل لك كلام فيه تأنيب، أو عتاب قاسٍ، فحاولي أن تستحضري في نفسك خلاصة القواعد التي تحدثنا عنها:
- هما والداي، وأصل علاقتهما بي هو الحرص عليّ.
- ليس من الصواب أن أفسر كل موقف على أنه دليل على انعدام الحب.
- قد تكون طريقتهما في التعبير عن الغضب، أو النصيحة غير مناسبة، وهذا خطأ في الأسلوب، لكنه لا يساوي بالضرورة غياب الحب.
- أستطيع أن أوضح موقفي وأدافع عن نفسي بهدوء وأدب، من غير رفع صوت أو إساءة، أو انتقاص.
- عدم اقتناعهما بكلامي لا يعني بالضرورة أنني مخطئة في كل ما أقول.
- قد ينتهي الموقف، لكن يبقى أثره في نفسي مدة من الزمن، وهذا أمر طبيعي، ولا يجب أن أحول هذا التأثر إلى خصومة، أو عقوق، أو مشاعر مستمرة بالحزن وعدم التقدير.
- برّي لهما لا يتوقف على كونهما يوافقانني في كل مرة، كما أن حبي لهما لا يعني أنني لا أتألم من بعض تصرفاتهما.
ومع الوقت، ستحتاجين إلى أن تتدربي على عدم إعطاء كل موقف أكبر من حجمه، وألا تظلي تعيدين تفاصيله في ذهنك مرة بعد مرة؛ لأن إعادة التفكير المستمر قد تجعل الألم أكبر وأطول من الموقف نفسه.
ثالثاً: ابنِي درعك النفسي، ولا تجعلي قيمتك الذاتية متوقفة على طريقة والديك في التعبير عن الحب؛ فطبيعتك الحساسة قد تجعل توقعك العالي للاحتواء سبباً في زيادة الألم، لأنك عندما تدخلين كل موقف وأنت تنتظرين بالضرورة أن يفهماك بالطريقة التي تتمنينها، يكون خذلان هذا التوقع مؤلماً جداً، ولذلك يبدأ التقبل العملي بتغيير الحديث الداخلي في نفسك قبل الدخول في النقاش، وبعد انتهائه.
قولي لنفسك:
- أنا أحب والديّ، وهما يحبانني، لكن ليس بالضرورة أن يجيدا التعبير عن هذا الحب بالطريقة التي أحتاجها.
- لا أستطيع تغيير والديّ، لكن أستطيع أن أغيّر طريقة تعاملي مع ما يصدر منهما.
- ليس مطلوباً مني أن أقنعهما دائماً، وإنما المطلوب مني أن أؤدي ما عليّ بأدب وإحسان.
أختي الفاضلة: إشغال العقل بما ينفع كحفظ القرآن، والقراءة النافعة، والكتابة، والأعمال التطوعية، وتعلم المهارات، وممارسة الهوايات، كلها تساعد على ألا يصبح التفكير في هذه المواقف هو محور حياتك، وبالتالي تأثيرها يقل مع الوقت ، لذلك أكثري من الدعاء إلى الله أن يصلح حالك وحال والديك، وأن يرزقك برهما مع الحكمة والصبر، وأن يرزقهما حسن التعامل والرفق بك.
وتذكري أختي الكريمة أن الوصول إلى التوازن، مع الوعي، هو المطلوب في هذه المواقف، وعدم الاكتفاء بتفسير كل موقف عاطفيا فقط، أو بين خيارين إما وإما، فأنتِ مطالبة ببر والديك، ولستِ مطالبة بمنع قلبك من الحزن، وأنتِ مطالبة بالأدب، ولستِ مطالبة بإلغاء مشاعرك.
أخيرًا: أحسني إلى والديك، واختلفي معهما بأدب، ولا تعصي الله من أجل إرضائهما، ولا تردّي الأذى بالأذى، ولا تجعلي خطأهما في التعبير دليلاً على نقصك، أو انعدام محبتهم لك، وفي الوقت نفسه لا تجعلي البر سبباً في إلغاء نفسك ومشاعرك.
وفقك الله، ويسر أمرك.