ظهور علامات التعب والإرهاق عند قراءة سور معينة: هل تدل على المس؟
2026-09-20 02:35:07 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمري 27 عامًا، ولم أتزوج حتى الآن، ودائمًا ما يتقدم لي أشخاص غير مناسبين، وأحيانًا يتفقون على موعد، ثم لا يحضرون.
وقبل سنوات مرضت كثيرًا، وحتى الآن لا أعرف سبب المرض، فقد أجريتُ كل ما طلبه مني الأطباء من تحاليل وأشعة، ولم أجد شيئًا، كما أرى كوابيس في منامي، وأصبح تركيزي ضعيفًا، وأشرد كثيرًا، خصوصًا أثناء الصلاة، وأعاني من آلام مستمرة في الظهر، وقد تناولتُ الدواء، لكن دون جدوى، وأشعر دائمًا بالكسل والخمول.
ثم ذهبتُ إلى شيخ قرأ عليَّ بعض آيات القرآن، وأثناء قراءته تغيّر صوته وأصبح غليظًا، ثم أخبرني بأن لديَّ مسًّا من الجن منذ أربع سنوات، وسألني عن بعض العلامات التي تظهر لديَّ، وبالفعل، كل ما ذكره يحدث لي.
وطلب مني قراءة سور يس والصافات والجن والفرقان، حتى أذهب إليه مرة أخرى لحضور جلسة، وكلما قرأتُ هذه السور ظهرت علامات التعب والإرهاق على وجهي، فأصبحت شاحبة، وظهرت هالات سوداء أسفل عينيَّ، وفي إحدى المرات شعرتُ كأنني مقيَّدة، وأن جسمي ثقيل، ولا أستطيع الحركة، خصوصًا أثناء قراءتي سورة الفرقان، وعندما أخبرته بذلك، قال إن كل هذا طبيعي؛ لأن الجن يقاوم، وأود أن أعرف منكم:
▪ هل يمكن أن تكون هذه الأمور صحيحة، وأن الشيخ لم يُخطئ؟
▪ أم ينبغي ألّا أصدّق هذا الكلام، وأن ما يحدث مجرد بدع؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آلاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعكِ إسلام ويب، وردًّا على استشارتكِ أقول، مستعينًا بالله:
إنَّ من فضل الله عليكِ تثبُّتَكِ وعدمَ الانجراف وراء الأوهام، ونسأل الله تعالى أن يرفع عنكِ كلَّ ضرٍّ، وأن يُنزل على قلبكِ السكينة، وأن يجعل لكِ فرجًا ومخرجًا، ويرزقكِ الزوج الصالح الذي تقرُّ به عينكِ. إنَّ ما تمرين به من كوابيس، وآلام في الظهر، وخمول، وضعف في التركيز، وتأخّر في الزواج، هي أزمات يتداخل فيها الجانب النفسي والجسدي مع التأثير الذهني.
والعلاج لمشكلتكِ القائمة يكمن في فكِّ هذا الاشتباك، والاعتماد على منهاج علاجي متكامل:
أولًا: أوهام المعالج وبطلان تشخيصه:
ما صدر عن هذا المعالج لا يمتُّ إلى الرقية الشرعية بصلة، ولا ينبغي تصديقه أو الذهاب إليه مجددًا، للأسباب الآتية:
▪ ادعاء علم الغيب:
القول بأنكِ مصابة بمسٍّ منذ أربع سنوات تحديدًا هو رجم بالغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65].
▪ تغيّر الصوت والتصنّع:
تغيّر صوت الراقي أثناء القراءة قد يكون تصنّعًا وتأثيرًا إيحائيًّا لإشعاركِ بالرهبة، أو مدخلًا من مداخل الشياطين للتلبيس على الناس.
▪ ابتداع تخصيص السور:
تخصيص سور بعينها -كسور يس والصافات والجن والفرقان- لعدد معين من الجلسات، بنية إخراج الجن، لم يرد به دليل صحيح، والأصل في العبادات والرقية التوقّف عند ما ورد عن النبي ﷺ، والقرآن كله شفاء، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].
▪ التفسير الخاطئ لأعراض القراءة:
الشحوب، والهالات، واستثقال الحركة، أو الشعور بالتقييد عند قراءة القرآن، هي ردود فعل فسيولوجية ناتجة عن التوتر العصبي الشديد، والخوف المسبق، والإيحاء النفسي، وليست دليلًا على وجود جنٍّ يقاوم.
ثانيًا: التفسير الطبي والنفسي للأعراض:
سلامة الفحوصات الأولية لا تعني وجود أمر خارق للطبيعة، بل قد تشير إلى وجود أسباب عضوية أو نفسية تحتاج إلى مزيد من الدقة في التشخيص:
▪ الأعراض النفسية والجسدية:
التفكير المستمر والقلق المترسّخ بشأن الزواج، وآلام الظهر، والخمول، قد تؤدي إلى اضطراب النوم، وظهور الكوابيس، وضعف التركيز حتى أثناء الصلاة؛ لأن الجسد يتأثر مباشرة بالحالة النفسية.
▪ المسببات العضوية الخفية:
نوصيكِ بمراجعة الطبيب لإجراء تحاليل شاملة لمعرفة مستوى بعض الفيتامينات التي قد يسبب نقصها خمولًا شديدًا، وآلامًا عضلية في الظهر، وضعفًا في الذاكرة والتركيز.
ثالثًا: النظرة الشرعية إلى تأخّر الزواج:
تأخّر الزواج أو انقطاع الخُطّاب بعد الاتفاق ليس مانعًا شيطانيًّا، بل هو قدر من الله لحكمة يعلمها، والرزق لا يُستجلب بالحزن أو الخوف، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ».
رابعًا: خطوات عملية لبرنامج علاجي متكامل:
▪ القطع التام للذهاب إلى المعالج:
قاطعي الجلسات فورًا، وأغلقي باب الإيحاء النفسي والوساوس، وابدئي بما يأتي:
▪ الرقية الشرعية الذاتية:
ارقي نفسكِ بنفسكِ صباحًا ومساءً بنية الشفاء واليقين، فاقرئي الفاتحة، وآية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، وسور الإخلاص والفلق والناس، وانفثي بها على نفسكِ، وعلى ماء تشربين منه وتغتسلين به.
▪ المحافظة على التحصين اليومي:
التزمي بأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وقراءة سورة البقرة في البيت، قال النبي ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».
▪ المتابعة الطبية والنفسية:
قومي بزيارة طبيب باطني لمراجعة التحاليل والمكملات الغذائية، وطبيب نفسي للمساعدة على قطع حبل التوتر والقلق، وتحسين جودة النوم.
▪ اللجوء إلى الله بالدعاء، مع تحيّن أوقات الإجابة:
قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، واسألي الله من خيري الدنيا والآخرة. الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ، فمن ثمرات ذلك تكفير الذنوب، وكفاية الهموم، وقضاء الحوائج، وأكثري من دعاء ذي النون: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، فقد ثبت في الحديث الشريف أن من دعا به استُجيب له.
أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم، أن يشفيكِ شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يُنزل على قلبكِ الطمأنينة والسلام، وأن يكتب لكِ الخير حيث كان، ونسعد بتواصلكِ.