المرأة بين تربية الأبناء وخدمة المجتمع: أين يكون الفضل الأكبر؟
2026-09-22 04:36:16 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تحيةً طيبةً، وبعد:
يدور في ذهني تساؤل، وأبحث فيه عن التوجيه الرشيد: سمعتُ مؤخرًا من يرى أن "الحياة المثالية ونجاح المجتمع يتحققان حصرًا بجلوس جميع النساء في المنازل، وعدم خروجهنَّ للعمل مطلقًا".
وحين أتأمل هذا القول، أجد أن الله تعالى خلق النساء بطبائع وفروقٍ فرديةٍ متمايزة، فأنا -مثلًا- شخصيةٌ حباني الله النشاط وشغف القراءة في العلوم والطب منذ طفولتي المبكرة، وأجد في نفسي رغبةً وقدرةً على النفع والتفوق في هذا المجال، بينما أختي ذات صفاتٍ مختلفةٍ تمامًا، وتفضِّل نمطًا آخر.
ومن هذا المنطلق، أرجو توضيح الآتي:
• هل بقاء المرأة في المنزل يُعد أفضليةً مطلقةً وقاعدةً عامةً تشمل جميع النساء بلا استثناء، وفي كل الظروف، كما هو الحال في قطعية وجوب الفرائض، كالصلاة مثلًا؟ أم أن الشريعة تراعي الفروق الفردية، وتنوع المواهب، وحاجة المجتمع إلى التخصصات النسائية النافعة، كالطب؟
• هل الأم التي تفرغت لتربية أبنائها داخل المنزل فقط تُعد أفضل مطلقًا؟ أم أن الأم التي تجمع بين التربية القويمة لأبنائها، وتقديم نفعٍ متعدٍّ لمجتمعها، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، تتساوى معها أو تفوقها أجرًا وفضلًا؟
أطرح هذه الأسئلة تسليمًا لحكمة الله وشرعه، ورغبةً في فهم المقاصد الشرعية بوعي، وتوجيه ما وهبني الله من شغفٍ وطاقةٍ في المسار الصحيح.
شاكرةٌ لكم حسن وقتكم، وجزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منَّة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعك إسلام ويب، ونشكرك على هذا السؤال المهم، والذي يدل على وعي كبير، وعلى رجاحة عقل، ونسأل الله أن يرزقكِ الفقه في دينه، وأن يبارك في علمكِ وقدراتكِ، ويستعملكِ فيما ينفع عباده.
الأخت الفاضلة، الشريعة لم تجعل للنساء صورةً واحدة، ولم تقرر أن نجاح المجتمع لا يتحقق إلا ببقاء جميع النساء في المنازل وتركهن العمل مطلقًا.
وبطبيعة الحال، للمرأة في بيتها وأسرتها رسالةٌ عظيمة، والأمومة وتربية الأبناء من أجلِّ الأعمال، ولكن تحويل ذلك إلى قاعدةٍ تقول: «كل امرأةٍ تعمل خارج بيتها قد اختارت الأدنى، وكل من لزمت بيتها فهي الأفضل مطلقًا»، يحتاج إلى تفصيل؛ فالفضائل تتأثر بالأحوال والواجبات والنيات والمصالح.
ولفهم المسألة على وجهٍ متوازن، ينبغي مراعاة الأمور الآتية:
• أولًا: الأصل أن قرار المرأة في بيتها، وحفظها لنفسها وأسرتها، مقصدٌ معتبر، وهو الأفضل من حيث الأصل، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، ولكن الشريعة نفسها لم تمنع المرأة من الخروج للحاجة والمصلحة المباحة. فقد خرجت النساء في عهد النبي ﷺ للصلاة، وطلب العلم، وقضاء الحاجات، ومداواة الجرحى، وغير ذلك، وعليه فليس مجرد خروج المرأة للعمل محرَّمًا في ذاته.
• ثانيًا: عمل المرأة يختلف باختلاف طبيعته وظروفه، فإذا كان عملًا مباحًا نافعًا، مع المحافظة على الحجاب والآداب الشرعية، واجتناب الخلوة وما يوقع في الفتنة، وعدم تضييع الحقوق الواجبة، فلا يصح تحريمه تحريمًا عامًّا، بل قد تكون حاجة المجتمع إلى المرأة في بعض المجالات شديدة، ومن أوضحها طب النساء وتعليمهن، وما تحتاج إليه النساء من تخصصاتٍ تحفظ خصوصيتهن.
• ثالثًا: الفروق التي ذكرتِها بينكِ وبين أختكِ معتبرة؛ فقد تتهيأ امرأةٌ للعلم والبحث والتعليم، وتتهيأ أخرى لشأنٍ مختلف، والشريعة لا تطلب إهدار المواهب النافعة، وإنما تضبط توجيهها. فإذا وهبكِ الله قدرةً في الطب والعلوم، وشغفًا بالبحث، فليس المطلوب دفن هذه الموهبة، بل توجيهها فيما ينفع، مع المحافظة على حدود الله.
• رابعًا: لا يصح كذلك أن نقلب المسألة، فنحتقر المرأة المتفرغة لبيتها، ونصورها وكأنها لم تحقق ذاتها، فامرأةٌ أحسنت التبعل لزوجها، وربَّت أبناءً صالحين، وبنت بيتًا مستقرًّا، قد تكون على ثغرٍ عظيم، لا يقل أثرًا في الأمة عن كثيرٍ من الوظائف. فالخطأ يقع في الطرفين، سواء باحتقار ربة المنزل، أو باعتبار المرأة العاملة أقل فضلًا لمجرد عملها.
• خامسًا: لا نستطيع أن نقول إن الأم المتفرغة لأبنائها أفضل عند الله مطلقًا من الأم التي تجمع بين تربيتهم وعملٍ نافع، ولا العكس؛ لأن التفاضل عند الله أوسع من مجرد الصورة الخارجية للعمل، والميزان هو قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
فقد تكون الأولى أفضل بإخلاصها وتربيتها وصبرها، وقد تكون الثانية أفضل لأنها أحسنت القيام بأسرتها، وأضافت إلى ذلك نفعًا متعديًا عظيمًا، وقد يقع العكس، بحسب التقوى والإخلاص والحقوق التي يؤديها كل إنسان.
• سادسًا: الميزان الأهم هو ترتيب الواجبات، فإذا تعارض عمل المرأة في مرحلةٍ معينةٍ مع حقٍّ واجبٍ لا يقوم به غيرها، قُدِّم الواجب. أما إذا استطاعت الجمع بين بيتها وعملها دون تضييع الحقوق، فلا ينبغي أن نصنع تعارضًا لازمًا بين الأمرين، وقد تتغير الأولويات نفسها عبر مراحل العمر، فما يناسب المرأة قبل إنجاب الأطفال قد يختلف عما يناسبها مع وجود طفلٍ رضيع، ثم تتسع قدرتها بعد سنوات.
وبالنسبة إليكِ خاصة، لا تجعلي السؤال: «هل أبقى في البيت أم أنفع المجتمع؟»، فهذه مقابلةٌ غير لازمة، ويمكنكِ أن تكوني امرأةً صالحة، وزوجةً وأمًّا ناجحة إذا كتب الله لكِ ذلك، وطبيبةً أو باحثةً نافعةً في الوقت نفسه، إذا استطعتِ الجمع بين هذه الأدوار على الوجه المرضي لله.
والمطلوب ألَّا تجعلي النجاح المهني يهدم الأسرة، كما لا تجعلي فهمًا ضيقًا لدور المرأة يهدر علمًا وموهبةً يمكن أن ينتفع بهما الناس، فابني علمكِ، وأخلصي نيتكِ، واجعلي تخصصكِ بابًا لخدمة الناس، ولا سيما النساء إن تيسر. وإذا جاءت مرحلة الزواج والأمومة، فأعيدي ترتيب أولوياتكِ بحسب واقعكِ آنذاك، فالحكمة ليست أن تختاري قالبًا واحدًا لكل مراحل حياتكِ، وإنما أن تعرفي في كل مرحلةٍ ما الذي يريده الله منكِ، وما الذي تستطيعين تقديمه بأحسن صورة.
نسأل الله أن يبارك في علمكِ وشغفكِ، ويرزقكِ الإخلاص والبصيرة، ويجعلكِ نافعةً لدينكِ وأهلكِ ومجتمعكِ، ويرزقكِ مستقبلًا بيتًا صالحًا، وذريةً طيبةً، وعلمًا نافعًا، ويعينكِ على وضع كل نعمةٍ وهبكِ إياها في موضعها الذي يرضيه.
والله الموفق.