كيف أوفق بين رغبتي في مساري الدراسي وحرصي على رضا والديّ؟
2026-09-10 03:22:37 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله كل خير، وجعل هذا العمل في ميزان حسناتكم.
أنا طالبة في المرحلة الثانوية، ولدينا في المرحلة الثانوية نظامان: نظام الثانوية العامة، الذي يكون فيه الصف الثاني الثانوي نقلًا، والصف الثالث الثانوي شهادة، ونظام البكالوريا، الذي يكون فيه الصفان الثاني والثالث الثانوي شهادة، وله عدة مميزات، مثل نظام التحسين، حيث يمكن دخول الاختبار أكثر من مرة، وتُختار العلامة الأعلى، وهكذا.
أنا طالبة في نظام البكالوريا، وأريد التحويل إلى نظام الثانوية العامة، ولكني أشعر أن أهلي يحبون نظام البكالوريا أكثر.
أهلي أناس طيبون للغاية، ويعاملونني أجمل معاملة، وهم متفهمون، ولم يجبروني على تخصص معين، ولكني أخاف أن طلبي التحويل إلى الثانوية العامة سيقلقهم؛ لأنه لا يوجد فيه نظام التحسين، وحتى إن وافقوا، أخشى أن يكونوا موافقين، ولكن في صدورهم قلق، أو حب لنظام البكالوريا أكثر.
لا أريد أن أحزنهم، ولا أن أقلقهم عليَّ، أو أن يفكروا كثيرًا، مثلًا: ماذا عن الصف الثالث الثانوي؟ وماذا ستفعل إذا لم تتوافر إلا فرصة واحدة للامتحان، أو إذا تعبت، وهكذا؟ لا أريد أن أقلقهم، وأنا مترددة في فتح الموضوع معهم؛ لأن ذلك بالتأكيد سيجعلهم يفكرون في الأمر، ويتساءلون: ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو مرضت؟ وهكذا.
تبقى حوالي ستة أيام على بدء الدراسة، ويبدو لي أن أبي متحمس لنظام البكالوريا.
أنا لا أريد -لا قدّر الله- أن أعكر صفوهم، أو أقلقهم، ولكني أريد التحويل من نظام البكالوريا منذ فترة طويلة، في الحقيقة، لكنني لم أفتح معهم الموضوع، فآسفة على الإطالة، ولكني لا أدري ماذا أفعل.
• هل أحاول أن أفتح معهم الموضوع، أم لا؟ فأنا لا أريد أن أضايقهم أو أقلقهم، وهم حقًا متفهمون، لكني أخشى -لا قدّر الله- ألا يحبوا الأمر كثيرًا، حتى وإن وافقوا من أجلي، وأنا أريد رضاهم وأحتاج إليه.
• لم يتبقَّ على بدء الدراسة سوى حوالي خمسة أيام، وأعلم أنني تأخرتُ كثيرًا، فماذا أفعل؟
وجزاكم الله كل خير، وأعتذر عن الإطالة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ م حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركِ لتواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا، ونسأل الله أن يبارك فيكِ على هذا القلب الرقيق الذي يخشى أن يحزن والديه، وهذا بحد ذاته دليلٌ على تربيةٍ طيبةٍ وبرٍّ أصيلٍ تحملينه لهما.
فهمنا من رسالتكِ -ابنتنا الكريمة- أنكِ تعانين من صراعٍ بين أمرين: أمرٍ تريدينه لنفسكِ منذ زمنٍ طويلٍ؛ وهو التحول إلى نظام الثانوي العام، وأمرٍ آخر هو خوفكِ من أن يحمل هذا التحول قلقًا أو حزنًا لوالديكِ الطيبين اللذين لطالما احتضناكِ وتفهما اختياراتكِ، وقد ازداد هذا الصراع إلحاحًا؛ لأن الوقت لم يعد يسمح بالتردد الطويل؛ فلم يتبقَ على بداية الدراسة سوى أيامٍ معدودةٍ.
يمكن أن ننظر إلى هذه المسألة من زاويتين: الأولى تتعلق بصحة الفكرة نفسها؛ أي هل من حقكِ ومن مصلحتكِ أن تطرحي هذا الأمر على والديكِ؟ والثانية تتعلق بالطريقة والوقت المناسبين لطرحه، وسنتناول كلتيهما بإذن الله.
أما الزاوية الأولى: فاعلمي -ابنتنا- أن بر الوالدين العظيم الذي أمرنا الله به لا يعني أبدًا كتمان ما يريح النفس ويصلح حالها؛ فالله سبحانه يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}؛ والإحسان إليهما يكون بالصدق معهما، وبالثقة بحكمتهما، وبحسن الظن بمشاعرهما، لا بحملهما على قرارٍ وأنتِ تخفين عنهما رغبتكِ الحقيقية؛ فهذا الكتمان قد يثقل قلبكِ أكثر مما يريحهما، والراحة الحقيقية لكما معًا تكون في الوضوح لا في الصمت.
وأمَّا مخاوفكِ من أن يوافقا ظاهرًا وقلبهما غير مطمئنٍّ؛ فهذه في الحقيقة افتراضاتٌ لم تتحققي منها بعدُ، وقد وصفتِ والديكِ بأنهما طيبان للغاية ومتفهمان ولم يجبراكِ يومًا على خيارٍ بعينه؛ فحسن الظن بهما يقتضي أن تعطيهما فرصة سماع رغبتكِ بصدرٍ مفتوحٍ؛ فربما يكون تحمسهما الحالي للبكالوريا نابعًا من عدم علمهما برغبتكِ الحقيقية أصلاً لا من تعصبٍ لهذا النظام، والنفس كثيرًا ما تتوهم رفضًا لم يقع بعدُ فتتعب من قلقٍ لم يأتِ أوانه.
وأمَّا الزاوية الثانية: وهي كيفية الطرح وتوقيته؛ فهذه هي الحكمة التي طلب الله من نبيه ﷺ أن يسلكها حتى مع أصحابه؛ إذ يقول تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}؛ فالمشورة والحوار الهادئ هما الطريق، ثم بعد أن تبذلي السبب بالحديث الصادق تتوكلين على الله في النتيجة، ولا تحملين نفسكِ هم ما لم يقع بعدُ.
ومن الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله- على فتح هذا الموضوع بحكمةٍ:
• اختاري وقتًا هادئًا يجمعكم دون انشغالٍ؛ كجلسةٍ عائليةٍ بعد صلاةٍ أو في وقت راحةٍ؛ فالجو الهادئ يجعل الحديث أخف وقعًا على الجميع.
• ابدئي حديثكِ بالتعبير عن حبكِ وتقديركِ لهما ولتفهمهما الدائم لكِ؛ فهذا يهيئ القلب لتقبل ما بعده، ويذكرهما بأنكِ لا تسعين لمخالفتهما، بل لمصلحتكِ التي تثقين أنهما يريدانها لكِ.
• اعرضي أسبابكِ بصدقٍ وهدوءٍ دون مبالغةٍ في التخوف أو الترقب، واذكري لهما ما يقلقكِ تحديدًا من نظام البكالوريا، وما تجدينه من راحةٍ في النظام الآخر؛ فالوضوح يقطع الطريق على سوء الفهم.
• استعدي مسبقًا بمعلوماتٍ دقيقةٍ عن الفروق الإدارية بين النظامين؛ فقد يكون من المفيد أن تسألي المرشدة الطلابية أو إدارة المدرسة عن التفاصيل والمواعيد النهائية؛ فحديثٌ مبنيٌّ على معرفةٍ يطمئن والديكِ أكثر من حديثٍ عاطفيٍّ مجردٍ.
• استمعي لمخاوفهما إذا ظهرت دون انفعالٍ، وناقشيها بهدوءٍ؛ فربما يكون خوف والدكِ تحديدًا من فكرة عدم وجود فرصة التحسين، وهذه مخاوف مشروعةٌ يمكن أن تناقَش بعقلانيةٍ لا برفضها.
• لا بد أن تصلي ركعتي الاستخارة قبل أن تفاتحيهما بالأمر؛ فتستعيني بالله أولاً؛ فمن استعان بالله واستشار خلقه فيما يخصهم قلَّ أن يندم على قراره بإذن الله.
• إن وجدتِ صعوبةً في بدء الحديث مباشرةً؛ فلا حرج أن تستعيني بأحد المقربين كوالدتكِ أو أختكِ الكبرى لتمهد لكِ الطريق أو تجلس معكِ في الحديث.
وتذكري -ابنتنا- أن الأصل في والديكِ الطيبين -كما وصفتِهما- هو الحرص عليكِ لا الرغبة في إثقالكِ، وأن إظهار قلقٍ مبدئيٍّ منهما أمرٌ طبيعيٌّ جدًّا نابعٌ من محبتهما ورغبتهما في مستقبلٍ مطمئنٍ لكِ، وليس معناه خذلانًا لرغبتكِ؛ فأمهليهم وقتًا ليستوعبوا الفكرة كما أمهلتِ نفسكِ وقتًا طويلاً حتى قررتِ، والصبر على هذا الحوار القصير خيرٌ من صبرٍ طويلٍ على مضضٍ داخليٍّ.
وبما أن الوقت ضيقٌ؛ فالحكمة تقتضي المبادرة قريبًا لا التأجيل أكثر؛ فقد قال النبي ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»؛ فلا تجعلي من هذا الحديث أمرًا أكبر مما هو عليه في نفسكِ، وخذي بالأسباب ثم توكلي على الله. فإن استمر معكِ قلقٌ شديدٌ يصعب عليكِ التعامل معه وحدكِ؛ فلا حرج أن تستعيني بمرشدة المدرسة لتساعدكِ على تنظيم أفكاركِ قبل الحديث مع أهلكِ.
نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يلين قلوب والديكِ لما فيه خيركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل، ونحن بانتظار أي تحديثٍ أو استفسارٍ تودين مشاركته معنا؛ فباب النصيحة مفتوحٌ لكِ دائمًا.
وبالله التوفيق والسداد.