زوجي يبخل على ابنتنا بمصاريف الدراسة الخاصة ويعرضها للمشاق، فماذا أفعل؟
2026-09-30 01:55:07 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابنتي حاصلة على شهادة البكالوريا، وقد اجتازت عدة اختبارات، وقُبلت في مدرسة للمهندسين بمدينة أخرى، وكانت تريد الالتحاق بكلية الطب، لكنها لم تُقبل فيها. أصرّ أبوها على دراستها في مدرسة الهندسة التي قُبلت فيها، رغم وجودها في مدينة أخرى، عارضته في البداية، لكنه أصرّ على رأيه.
حاولتُ أن أجد حلًا وسطًا، وهو أن ننتقل جميعًا إلى تلك المدينة، ولا سيما أنني لا أعمل، وهو متقاعد، فرأيتُ أن الأصلح أن ننتقل جميعًا حتى لا نترك ابنتنا وحدها، فهذه أول تجربة لها، لكنه أصرّ على رأيه، وقال: إنها ستذهب بالقطار، وإن الأمر سهل، فالناس جميعًا يذهبون، وما إلى ذلك.
المهم أنني فقدتُ أعصابي، وبكيتُ وتألمتُ، والغريب أنه ميسور الحال، وقد أدخل ابنيْنا الأكبرين قبلهما مدارس خاصة قريبة من منزلنا وفي المدينة نفسها، أمَّا ابنتنا فيعاملها الآن بجفاء، والله المستعان.
وهو قادر على إدخالها مدرسة خاصة، لكنه لم يفعل بحجة أن شهادة الدولة أفضل، مع أن ذلك يأتي على حساب راحة ابنتنا، ويُلزمها بالتنقل يوميًا بالقطار، ومع ما نعرفه عن أحوال الشارع، صرنا نعيش في غابة بشرية، وأنا خائفة على ابنتي من ذئاب الشوارع.
هل يأثم بفعله هذا؟ أشعر أنني بدأت أكرهه، وقد حاولتُ أن أقنع نفسي برأيه وأن أستسلم له، لكنني لم أستطع، أصبحتُ باردة تجاهه، وأتمنى له الموت، فما فائدة العقارات والمال إذا لم يضمن راحة أهله في الدنيا؟
دلوني -بارك الله فيكم- على كيفية التصرف، وماذا أفعل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ سعاد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يطمئن قلبكِ على ابنتكِ، وأن يحفظها في ذهابها وإيابها، ويكتب لها الخير والتوفيق في دراستها ومستقبلها، وأن يصلح ما بينكِ وبين زوجكِ، ويؤلف بين قلبيكما، ويرزقكما الحكمة والسكينة وحسن التفاهم.
فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ تحملين في قلبكِ همًّا كبيرًا: هم أم تخاف على ابنتها وهي تخطو أولى خطواتها خارج البيت، وهم زوجة تشعر أن رأيها لم يسمع، وأن زوجها لم يقدر خوفها، ثم همًّا ثالثًا لعله أثقلها جميعًا؛ وهو هذا الشعور الذي بدأ يتسلل إلى قلبكِ تجاه زوجكِ من برود ونفور، حتى وصل إلى تمني الموت له.
ونحن نقدر صدقكِ في البوح بهذا الشعور، فالاعتراف به أول طريق علاجه، ومن الطبيعي جداً أن تشعري بالغضب والألم حين يتعلق الأمر بفلذة كبدكِ، فخوف الأم فطرةٌ أودعها الله في قلبها، ولكن دعينا نضع الأمور في موضعها الصحيح حتى لا يتحول همُّ الابنة، إلى هدمِ بيتٍ بأكمله.
يمكن أن ننظر إلى مشكلتكِ من ثلاث زوايا: زاوية الابنة ومستقبلها وسلامتها، وزاوية الزوج وقراره وسؤالكِ عن إثمه، وزاوية نفسكِ ومشاعركِ التي بدأت تتغير تجاهه، وسنتناول كل زاويةٍ بما يعين على الخروج من هذا الضيق بإذن الله.
• الأمر الأول: ابنتكِ بين الحلم الذي لم يتحقق والفرصة التي جاءت:
فابنتكِ كانت تحلم بالطب ولم يُقدر لها ذلك، ثم قُبلت في مدرسةٍ للمهندسين بعد اجتياز اختبارات ليست بالهينة، وهذا في حد ذاته نعمةٌ عظيمةٌ وتوفيقٌ يستحق الشكر، فكم من طالبٍ يتمنى هذا المقعد ولا يناله، ولعل الله صرف عنها ما أرادت لخيرٍ لا تعلمه، يقول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
ومن المهم أن تنتبهي إلى أن ابنتكِ الآن تعيش خيبة أمل فقدان حلم الطب، ثم تعيش توتر التجربة الجديدة، ثم تعيش جفاء أبيها؛ فهي أحوج ما تكون إلى أمٍّ هادئةٍ مطمئنةٍ تعينها على تقبل التخصص الجديد وتحبيبه إليها، لا إلى أمٍّ قلقةٍ تنقل إليها الخوف من الطريق ومن الناس، فالأبناء يلتقطون مشاعرنا قبل كلماتنا.
أمَّا خوفكِ عليها من ذئاب الطريق فهو خوفٌ مشروعٌ، لكن اعلمي أن ابنتكِ قد بلغت مرحلةً يحتاج فيها الأبناء إلى التدريب على الاستقلال المنضبط؛ فهي ستدخل سوق العمل يومًا، وستتعامل مع الناس في كل مكانٍ، والحماية الحقيقية لا تكون بإبقائها تحت أعيننا دائمًا، وإنما بأن نزرع فيها الوعي والثقة ومراقبة الله، وقد قال النبي ﷺ لابن عباسٍ رضي الله عنهما: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ».
وتأملي كيف قال يعقوب عليه السلام وهو يودع ابنه في سفره رغم ما في قلبه من خوفٍ سابقٍ على يوسف: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
ومن الأمور التي سوف تعين ابنتكِ على سلامة تنقلها بإذن الله:
• أن تبحث عن زميلاتٍ من المدرسة نفسها يسلكن الطريق ذاته، فالرفقة في الذهاب والإياب أمانٌ وأنسٌ، وكثيرًا ما تتكون مجموعاتٌ من الطالبات يتنقلن معًا يوميًا.
• أن تختار مواعيد القطار الأكثر ازدحامًا بالطلاب والموظفين، وتتجنب الرحلات المتأخرة ليلاً قدر الإمكان، وأن تتفقي معها على التواصل عند الركوب وعند الوصول، مع تفعيل خاصية مشاركة الموقع في الهاتف.
• أن تتحدثي معها بهدوءٍ عن آداب التعامل في الأماكن العامة، والحزم مع من يتجاوز حده، وكيف تطلب المساعدة من المسؤولين في المحطة أو القطار عند الحاجة، دون تهويلٍ يزرع فيها الرعب.
• أن تحافظ على أذكار الصباح والمساء ودعاء الخروج من البيت ودعاء السفر؛ فهي حصن المسلم الذي لا يغني عنه حرصٌ ولا حذرٌ.
• أن تتابعي حالتها النفسية والجسدية بعد أسابيع من التجربة، فإن ظهر أن التنقل اليومي يرهقها ويؤثر على تحصيلها، فحينها يكون لديكِ مسوغٌ واقعيٌ ملموسٌ تعرضينه على زوجكِ، كالسكن الجامعي للطالبات أو السكن عند أقارب ثقاتٍ في تلك المدينة، بدلاً من المخاوف المتوقعة التي قد يراها هو مبالغةً.
• الأمر الثاني: الزوج وقراره وسؤالكِ هل يأثم:
لا بد أن نذكركِ -أختي الكريمة- أننا لسنا في مقام الإفتاء، ولكن يمكننا أن نقول إن الأب هو المسؤول الأول عن أبنائه، قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا».
واختياره للمدرسة الحكومية في حد ذاته ليس ظلمًا، فقد يرى أن شهادة الدولة أقوى في سوق العمل، وقد يرى في ابنته قدرةً على الاعتماد على نفسها، وقد يكون القطار في نظره وسيلةً آمنةً يستعملها آلاف الطلاب يوميًا، فالخلاف بينكما في الأصل خلافٌ في تقدير المصلحة، وليس بالضرورة خلافًا بين محبٍ لابنته ومفرطٍ فيها.
أمَّا ما ذكرتهِ من أنه أدخل الابنين الأكبرين مدارس خاصةً قريبةً، ولم يفعل ذلك مع ابنتكم، فهذا مما يستحق الحوار الهادئ معه، فالنبي ﷺ قال: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ».
ومسألة العدل بين الأبناء في النفقة على التعليم وتفاصيلها مما يحسن أن تسألي عنه أهل العلم والفتوى في بلدكِ، مع مراعاة أن ظروف كل ابنٍ قد تختلف، فربما كانت درجات الابنين لا تؤهلهما لمدرسةٍ خاصةٍ أو حكوميةٍ، فاضطر للخاص، بينما ابنتكم نالت بتفوقها مقعدًا في مدرسةٍ للدولة، فهو يرى أن تفوقها أغناها عن الخاص، فلا تحكمي على نيته قبل أن تسمعي منه، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية البنت في المجتمع.
وأما جفاؤه مع ابنته، فلعله نابعٌ من شعوره بأن معارضتها ومعارضتكِ له كانت تحديًا لقراره، والرجل حين يشعر أن قوامته تنازع يزداد تمسكًا برأيه ويقسو أحيانًا، ومن هنا نصيحتنا هي:
• أن تختاري وقتًا هادئًا بعيدًا عن التوتر، وتحدثيه بلغة المشاركة لا الاتهام، كأن تقولي له إنكِ تثقين بحرصه على ابنته، وإنكِ تحتاجين إلى طمأنته لقلبكِ، واطلبي منه أن يرافقها الأسابيع الأولى أو يتفقد معها الطريق والمدرسة، فهذا يشعره بالمسؤولية بدلاً من الشعور بالاتهام.
• أن تشجعي ابنتكِ على أن تتقرب من أبيها وتشكره على حرصه على مستقبلها، وتطلعه على يومها ونجاحاتها، فكثيرًا ما يذوب جفاء الأب حين يرى من ابنته رضًا واحترامًا.
• إن تعذر الحوار المباشر، فاستعيني بطرفٍ ثالثٍ حكيمٍ يحترمه زوجكِ، كأخٍ له أو صديقٍ أو أحد أهل العلم، ليعرض عليه الحلول الوسطى بأسلوبٍ لا يشعره بالهزيمة.
• اجعلي خيار الانتقال الجماعي أو السكن الخاص مؤجلاً لا مُلغًى، والتجربة الفعلية خير حكمٍ بينكما، وقد تثبت الأيام صواب رأيه فتطمئنين، أو تثبت صواب رأيكِ فيقتنع هو بالبرهان.
• الأمر الثالث: قلبكِ أنتِ:
هنا لفت انتباهي أكثر ما في رسالتكِ، وهو قولكِ إنكِ بدأتِ تكرهينه وأصبحتِ تتمنين له الموت، ونحن نفهم أن هذا الشعور هو صرخة ألمٍ وغضبٍ أكثر منه رغبةً حقيقيةً، فالغضب حين يتراكم دون أن يجد متنافسًا صحيًا يتحول إلى برودٍ ثم إلى نفورٍ.
ولكن لا بد أن نذكركِ برفقٍ أن هذا الرجل هو زوجكِ وأبو أبنائكِ، ورفيق عمركِ الذي جمعتكما معه سنواتٌ طويلةٌ من العشرة والذكريات، والله تعالى يقول: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.
ولو استجاب الله لهذه الأمنية في لحظة غضبٍ، لكنتِ أول من يبكي ويندم، ولكانت ابنتكِ أول من يفقد السند، وقد نهانا النبي ﷺ عن الدعاء في ساعات الغضب فقال: «لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ».
ومن الأمور التي سوف تعينكِ على تجاوز هذا الشعور بإذن الله:
• أن تفرقي بين رفضكِ لقراره ورفضكِ لشخصه، فأنتِ تختلفين معه في مسألةٍ واحدةٍ، ولكنه في مسائل أخرى كثيرةٍ قد يكون زوجًا صالحًا وأبًا حريصًا، فلا تجعلي خلافًا واحدًا يمحو صورته كلها في قلبكِ.
• أن تكتبي في ورقةٍ ما تشعرين به من غضبٍ وألمٍ، ثم تكتبي بجانبه ما تعرفينه عنه من صفاتٍ حسنةٍ ومواقف طيبةٍ، فهذا التمرين البسيط يعيد التوازن إلى نظرتكِ، ويخفف من حدة المشاعر المتراكمة.
• إذا جاءتكِ هذه الأمنيات أو الأفكار، فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وتوضئي وصلي ركعتين، وتذكري قول النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
• لا تقطعي حبل الود معه رغم الخلاف، فالبرود العاطفي إذا طال صار جدارًا يصعب هدمه، وقد يدفعه هو أيضاً إلى مزيدٍ من القسوة، قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
• اعتني بنفسكِ، فأنتِ لا تعملين، وقد يكون فراغكِ سببًا في تضخيم القلق، فابحثي عن نشاطٍ نافعٍ يملأ وقتكِ، كحلقةٍ لتحفيظ القرآن أو عملٍ تطوعيٍّ أو تعلم مهارةٍ جديدةٍ، فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
• إذا وجدتِ أن مشاعر الكراهية والغضب مستمرةٌ وتزداد، أو أنها بدأت تؤثر على نومكِ وصحتكِ وعلاقتكِ بأبنائكِ، فلا تترددي في زيارة أخصائيٍّ نفسيٍّ أو مرشدٍ أسريٍّ، أو حتى الذهاب مع زوجكِ إلى جلسة إرشادٍ زواجيٍّ، فطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو حكمةٌ وحرصٌ على البيت.
أختي الكريمة: إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمرٌ لا بد منه في مثل هذه الأحوال، فادعي لابنتكِ بالحفظ والتوفيق، وادعي لزوجكِ بالهداية ولين القلب، وادعي لنفسكِ بالسكينة والرضا، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وربما كانت هذه الأزمة بابًا لتجديد الحوار بينكما، وتقوية ابنتكِ، ونضج الأسرة كلها، وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا المَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل، وأن يحفظ ابنتكِ بحفظه ويوفقها في دراستها، وأن يؤلف بين قلبكِ وقلب زوجكِ ويصلح ذات بينكما.