أفكر في العودة إلى مصافحة النساء حتى أتخلص من الشعور بالنفاق!
2026-10-14 01:50:33 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإخوة القائمين على موقع إسلام ويب، جزاكم الله خيرًا على جهودكم، ونسأل الله أن ينفع بعلمكم الأمّة الإسلامية.
عندما كنت في الجامعة، كنتُ أصافح النساء، وكانت نيّتي سليمة، ولم أدرك حينها خطورة المصافحة وتحريمها، وظننت أنّها مكروهة فقط، فكنت أتهاون في هذا الأمر، وأسأل الله أن يغفر لي.
والآن أنا شاب في منتصف العشرينات من عمري، وكما تعلمون حال هذا الزمن من انتشار العُري والفواحش -سواء عبر الفضائيات أو الهاتف أو غيره- فقد أصبح المرء يُفتن كثيرًا، وعندما علمت بتحريم المصافحة، قررت أن أتّبع هدي حبيبنا وسيّدنا محمد ﷺ لكي أقي نفسي من هذه الشهوات، وبالأخص لأنني أعيش في بلاد الكفار، وكان ذلك نافعًا لي كثيرًا، إذ ارتاحت نفسي -والحمد لله- وكان سببًا في صلاح قلبي بعد توفيق الله عزّ وجل.
مشكلتي أنّني أشعر بالنفاق؛ لأنني لم أتّبع هذه السنّة اقتداءً بنبينا الكريم ﷺ، بل اتّبعتها لأنها كانت وسيلة لوقايتي من الفتن، فصرت أشعر بالضغط أنّه يجب عليّ أن أعظ الناس وأكون ذلك الشخص المتديّن المحترم، مع أنّني -وأرجو أن أكون من الصالحين- لستُ بذلك الصلاح، إذ إنّ هدفي كان فقط الوقاية من الشهوات.
فأصبح لديّ صراع نفسي بأن أرجع لمصافحة النساء لكي أتخلّص من هذا الضغط، وأبحث عن سُبل أخرى لوقاية نفسي من الشهوات حتى لا أشعر بالنفاق، مع العلم أنّني أقوم الليل -والحمد لله- وأقرأ القرآن بعد صلاة الفجر.
فسؤالي لكم أيها الطيّبون: كيف أتخلّص من هذا الصراع النفسي وأثبت على الحق؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إبراهيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبك على طاعته، ويزيدك حرصًا على اتباع سنة نبيه ﷺ، ويصرف عنك الفتن والوساوس، ويرزقك الإخلاص في القول والعمل.
فأول ما ينبغي أن تعلمه أن مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية محرم في قول جمهور أهل العلم، ولا يجعلها مباحة حسن النية أو سلامة القصد أو انتفاء الشهوة؛ لأن النية الحسنة لا تبيح ما حرمه الله، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ» [رواه البخاري ومسلم]، وقال النبي ﷺ في بيعة النساء: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» [رواه النسائي وابن ماجه].
ولهذا فإن تركك المصافحة بعد علمك بالحكم الشرعي هو التصرف الصحيح الذي ينبغي أن تثبت عليه، وأمَّا ما مضى حين كنت تجهل التحريم أو تتهاون فيه، فاستغفر الله منه وتب إليه، ولا تجعل الماضي سببًا لتعكير استقامتك الحاضرة، واعلم أن «مَا تَرَكَ عَبْدٌ شَيْئًا لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا لِلَّهِ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».
ولبيان ما أشكل عليك نوضح لك أمورًا:
• أولًا: اعتقادك أن ترك المصافحة لا يكون عبادة إلَّا إذا كان الدافع الوحيد إليه الاقتداء بالنبي ﷺ اعتقاد صحيح غير مكتمل؛ لأن امتثال أمر الله واجتناب نهيه قد تجتمع فيه مقاصد متعددة، وكلها مشروعة، فقد يترك الإنسان الحرام خوفًا من عقاب الله، أو رجاء ثوابه، أو طلبًا لطهارة قلبه، أو حماية لنفسه من الفتنة، أو اقتداء برسوله ﷺ، وهذه المقاصد لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضًا، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات: 40-41]؛ فتأمل كيف جعل الله نهي النفس عن الهوى من أسباب الفوز بالجنة، ولم يجعل خوف الإنسان على نفسه من الشهوات نقصًا في إخلاصه.
• ثانيًا: قولك إنك تركت المصافحة لتحمي نفسك من الفتن لا يدل على النفاق، بل يدل في أصله على معرفتك بضعف النفس وحاجتها إلى الحماية، والله تعالى يقول: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلً۠ا} [الإسراء:32]؛ فالنهي عن الاقتراب من الزنا يتضمن اجتناب مقدماته وأسبابه.
ومن هنا فإن حرصك على حماية قلبك من الشهوات ليس غرضًا منفصلاً عن الشريعة، وإنما هو من المقاصد التي شرعت من أجلها الأحكام المتعلقة بالعفة وغض البصر وحفظ الفرج، ثم إنك حين علمت بتحريم المصافحة تركتها، وهذا امتثال للحكم الشرعي، ولو صاحب الامتثال قصد حماية نفسك من الفتنة، ولا يشترط لصحة الإخلاص أن يكون للإنسان دافع واحد لا يشاركه غيره من المقاصد المشروعة.
• ثالثًا: ينبغي أن تفرق بين النفاق وبين شعور الإنسان بأنه لم يبلغ مرتبة الصالحين؛ فالنفاق ليس أن يجتهد المسلم في طاعة ثم يرى نفسه مقصرًا في غيرها، وإنما النفاق الاعتقادي إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، وهناك خصال من النفاق العملي حذر منها الشرع، كالكذب والخيانة وإخلاف الوعد.
أمَّا أن تترك محرمًا وأنت تعلم أن عندك ذنوبًا وتقصيرًا، فهذا لا يجعلك منافقًا؛ إذ لو اشترطنا على الإنسان أن يكون صالحًا في جميع أعماله حتى يترك معصية واحدة، لما استطاع أحد أن يبدأ طريق الاستقامة، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]؛ فافعل من الطاعات ما تستطيع، واجتنب من المحرمات ما علمت تحريمه، واستغفر الله مما يقع منك من تقصير، ولا تجعل نقصك في جانب مبررًا للتراجع في جانب آخر.
• رابعًا: ليس مطلوبًا منك لمجرد امتناعك عن مصافحة النساء أن تتحول إلى واعظ للناس، أو أن تظهر أمامهم بمظهر الإنسان الذي بلغ أعلى مراتب التدين؛ فأنت مسؤول عن التزامك بأحكام الشرع، ولست مطالبًا بادعاء منزلة لم تبلغها.
وإذا سألك أحد عن سبب امتناعك، فيكفي أن تقول بأدب: إنني ألتزم بعدم مصافحة النساء لأسباب دينية، ولا يلزمك أن تدخل في مناقشات طويلة، أو أن تشرح للآخرين تفاصيل عبادتك وحياتك.
وإن احتجت إلى بيان الحكم الشرعي، فبينه بعلم وحكمة دون تعالٍ على أحد، ودون أن تتكلف صورة الواعظ الذي لا يخطئ؛ فالدعوة إلى الخير لا تستلزم ادعاء الكمال، كما أن تقصير الإنسان لا يسقط عنه واجب النصيحة فيما يعلمه.
• خامسًا: أمَّا تفكيرك في العودة إلى مصافحة النساء حتى تتخلص من الشعور بالنفاق؛ فهذا من الخلل الذي أحدثه الوسواس في طريقة تفكيرك؛ إذ كيف يكون علاج الخوف من فساد النية بالعودة إلى فعل تعتقد أنه محرم؟ لقد انتقل بك التفكير من سؤال مشروع عن الإخلاص إلى نتيجة معكوسة، وهي أن ترتكب ما تركته لله حتى لا تشعر بأنك متدين أكثر مما تستحق.
وهذه علامة ينبغي أن تنتبه إليها؛ فالوسواس كثيرًا ما يقتحم على الإنسان أمرًا مستقرًا في دينه، ثم يثير حوله الشكوك حتى يدفعه إلى ترك الصواب بحجة تصحيح النية، فلا تستجب لهذه الفكرة، ولا تدخل معها في نقاش متكرر، ولا تحاول اختبار إخلاصك كلما امتنعت عن المصافحة، وإذا جاءك خاطر يقول: "أنت منافق لأنك تركتها خوفًا من الفتنة"، فقل لنفسك: "بل تركتها امتثالًا لحكم الله وحماية لديني"، ثم امضِ في شأنك.
• سادسًا: الإخلاص ليس شعورًا نفسيًا يجب أن تتحقق منه بعد كل عبادة، وإنما هو توجيه القصد إلى الله تعالى، وتجديد النية كلما احتاج الإنسان إلى ذلك، دون تكلف أو استغراق في التفتيش عن دوافع النفس، قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه].
فاجمع من الآن بين المقاصد الحسنة، وانْوِ بترك المصافحة طاعة الله، واتباع رسوله ﷺ، وحفظ قلبك وجوارحك من الحرام، ولا تحتاج بعد ذلك إلى إعادة تحليل نيتك في كل موقف؛ فإن كثرة التفتيش قد تفسد عليك طمأنينة العبادة.
• سابعًا: نحمد الله أن وفقك لقيام الليل وقراءة القرآن بعد الفجر، وننصحك بالمحافظة على هذه الأعمال دون أن تجعلها وسيلة لإثبات أنك صالح أمام نفسك أو أمام الناس؛ فالاستقامة ليست ادعاء الكمال، وإنما دوام الرجوع إلى الله، والحرص على طاعته، ومجاهدة النفس عند ورود الشهوات والشبهات، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].
وأخيرًا: نريدك أن تدرك أن خوفك من الفتنة ليس عيبًا في تدينك، وإنما العيب أن يعرف الإنسان مواضع ضعفه ثم يعرض نفسه لها متعمدًا، وقد كان النبي ﷺ يدعو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [رواه الترمذي]، فإذا كان رسول الله ﷺ يعلمنا سؤال الثبات، فكيف يستنكف أحدنا عن اتخاذ الأسباب التي تحفظ عليه دينه؟
وخلاصة الأمر: أنك أحسنت حين تركت المصافحة بعد علمك بتحريمها، وأحسنت حين قصدت حماية نفسك من الفتنة، ولا تعارض بين هذا القصد وبين الاقتداء بالنبي ﷺ؛ فلا تعد إلى المصافحة، ولا تحمل نفسك صورة مثالية من التدين، ولا تسترسل مع الوساوس المتعلقة بالإخلاص، بل الزم الطاعة، وجدد نيتك ببساطة، واترك الحكم على سريرتك لله الذي يعلم ضعفك وصدق مجاهدتك.
نسأل الله أن يرزقك الإخلاص والثبات، ويطهر قلبك من الرياء والوسواس، ويحفظ عليك دينك وعفتك، ويجعلك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويزيدك هدى واستقامة وسكينة، والله الموفق.