الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يلحق ولد الزنا بالزاني

السؤال

أنا قاض من الجزائر أريد معرفة الحكم الشرعي حول مسألة ابن الزنا إذا أقر به والده وطلب القضاء له بإثبات نسبه إليه هل يجوز ذلك طبقا لقاعدة إحياء الولد خاصة وأن في الجزائر فئة الأبناء غير الشرعيين تعاني من صعوبات كبيرة في استخراج وثائقها الإدارية مما يمنعها من كثير من الحقوق ومنها التعليم أرجو إفادتي بآراء المذاهب الإسلامية؟ وشكرا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن الرجل إذا أقر على نفسه بالزنا فإنه بذلك يكون ساقط العدالة ومستحقا للحد الذي تقرر له في الشرع، وهو الجلد أو الرجم.

وأما نسبة الولد إليه ولحوقه به، فقد وقع خلاف بين أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال إن نسب ولد الزنا يثبت إذا استلحقه الزاني ولم ينازعه فيه أحد؛ لأن مورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش)، كان في التنازع حول نسب مولود ولدته أمه وقد كانت فراشا شرعيا لسيدها، وتنازع فيه الزاني وصاحب الفراش فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الولد لصاحب الفراش.

أما إذا لم تكن أمه فراشا شرعيا لأحد فقد ذهب إسحاق بن راهويه إلى أن المولود من الزنى إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه الزاني ألحق به، وأوّل قول النبي صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش) على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش.

قال ابن القيم–بعد أن ذكر هذا–: وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بن راهويه بإسناده فى رجل زنا بامرأة، فولدت ولدا فادعى ولدها، فقال يجلد ويلزمه الولد، وهذا مذهب عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، ذكر عنهما أنهما قالا: أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يدع ذلك الغلام أحد فهو ابنه، واحتج سليمان بن يسار بأن عمر بن الخطاب كان يليط أي يلحق أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام.

وهذا الرأي أيضاً يراه محمد بن سيرين، وشيخ الإسلام ابن تيمية. ورجحه تلميذه ابن القيم، وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال، لا أرى بأسا إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه، أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها، والولد ولد له.

والكثرة الكاثرة منهم على أن ماء الزنا هدر لا يثبت به نسب لحديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).

وذهب جمهور أهل العلم إلى أن ولد الزنا لا يلحق بأبيه ولا ينسب إليه، لأدلة منها ما ورد في الصحيحين من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: الولد للفراش وللعاهر الحجر. ومنها ما ورد في قضائه صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنا: "أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه وليس له مما قسم قبله من الميراث شيء وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة". رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه والدارمي.

ولكل واحد من القولين ما له من أدلة، ولعل مذهب الجمهور أقرب إلى الصواب لأن الحديث الأخير نص في المسألة، وقد حسنه الألباني وغيره وإن نازع بعض العلماء في قوة سنده، ولأن من القواعد الفقهية أن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا.

ومعلوم أيضا أن مذهب الجمهور هو الموافق لمذهب بلدك -أيها السائل الكريم-.

ومع هذا فإننا نرى أنه إذا ترجح عندك المذهب الآخر ووجدت في الأخذ به درأ لمفسدة كبرى لا يمكن درؤها إلا بذلك فإن لك أن تأخذ به فقد قال به أئمة كبار، أما موضوع الوثائق فهو تابع للخلاف في المسألة فحيث قلنا بجواز استلحاقه فالأمر واضح وإلا فتخرج له وثائق وينسب منها إلى أب نسبة صورية كأن يقال ابن عبد الرحمن أو ابن عبد الله ونقصد أنه ابن لعبد من عبيد الرحمن ويكون حينئذ في التعصيب والإرث، وغير ذلك من أحكام البنوة، تبعا لأمه وأهلها لأنه ابنها حقيقة...

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني