الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمها عاجزة عن الحركة وهي مغتربة وزوجها يمنعها من العودة

السؤال

عراقية مقيمة في أمريكا بسبب الظروف الأمنيه السيئة، الابنة الوحيدة لوالدتي اضطررت لتركها وحيدة لعلمي بالخطر المحدق بزوجي وابني الوحيد 16 سنة، سافرت بموافقتها رغم الوضع الصحي والاجتماعي علما أنها تبلغ 73 عاما، مشت الأمور على ما يرام حتى تعرضت والدتي لجلطة دماغية أفقدتها الجانب الأيمن، ولكونها وحيدة قام الجيران برعايتها حتى عدت من السفر فور سماعي للخبر، أدخلتها المشفى وبقيت معها ثلاثة أشهر حتى استعادت جزءا من عافيتها، ورتبت لها الإقامة مع عائلة ودفعت كافة مصاريف الانتقال للسكن الجديد.. إلخ وعدت لعائلتي لأن بنتي الاثنتين وابني وزوجي بأمس الحاجة إلي وهي المرة الأولى في حياتي أتركهم لوحدهم وفي بلاد الغربة وبمجتمع خطير وغريب علينا وهم بعمر المراهقة، حاولت جاهده أن أوازن ما بين مسؤليتي تجاه أمي وعائلتي أمام الله، إلا أن ما حصل لم يكن بالحسبان فبعد عودتي تراجعت العائله عن موقفها بالانتقال والسكن مع والدتي فبقيت وحيدة عاجزة عن الحركه تقطن بشقه طابق ثان بدون مصعد (سجن إجباري) لا أحد يرعاها يرافقها للحمام يهيئ الطعام يقوم بأعمالها البيتية اليومية، مما اضطرها للقيام بذلك لوحدها بمساعدة المشاية وبما أنها فاقدة للتوازن توالت عليها الوقعات حتى باتت الكدمات والرضوض والتمزقات علامات فارقة على جميع أنحاء جسدها النحيل! ناهيك عن الوحدة والشعور بأنها مقعدة لا أحد يبالي بها حتى ابنتها التي أفنت عمرها وشبابها ترعاها بعد وفاة زوجها مبكراً، أكتب لكم الآن وأنا قلبي يتمزق كل ثانية على الوضع الذي آلت إليه والدتي، وحاولت كثيراً جداً أن أجد حلا آخر عن طريق كل من أعرف في بغداد وبلا جدوى، فلا أحد يمكن أن يقيم معها ويرعاها، تعيش وحيدة إذا تذكرها الجيران فعندها ما يسد جوعها وعطشها وأما فلا، وإذا ما سقطت أرضا عند ذهابها للحمام بقيت على الأرض حتى يأتي صباحا أو ظهراً أحد من الجيران لينتشلها! إني أتمزق ألما وأموت في اليوم ألف موتة إلا أني ليس بيدي حيلة فزوجي يمنعني من العودة مجدداً، وحجته صعوبة تحمله مسؤولية الأولاد ثانية، ويذكرني بخطورة تركهم وإياه لأشهر، وقالها صراحة أنه سيضطر إما للانفصال رسمياً عني لأتفرغ لرعاية والدتي وأترك أولادي، وإما أن أرجعهم معي وأتحمل مسؤوليتهم كاملة! وهذا أمر خطر وصعب على أرض الواقع ماديا اجتماعيا مستقبلهم الدراسي.. إلخ، أعرض عليكم معاناتي بل مأساتي فأنا حقا بين نارين وبحاجة ماسه لفتوى شرعيه تنير لي الطريق بعد أن ضاقت بي السبل علما أني مريضة كل الوقت حزينة أعاني الأمرين، وأني أتمزق وأنا أساعد كل الناس وتاركة أمي غاليتي تعاني وحيدة في الوقت الذي هي بأمس الحاجه لي..{أرجوكم أغيثوني كيف أتصرف ما هو رأي الشرع وما حكمه وسبحان من قائل (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا... إلى آخر الآية) و (الجنة تحت أقدام الأمهات) .. وبذات الوقت عائلتي التي لا أملك بالدنيا غيرهم وأخاف أن تركتهم أفقدهم كل العمر.. الشعور بالتقصير بالذنب يمزقني يقتلني يقودني للجنون للتفكير حتى بالانتحار أستغفر الله, لا أعلم كيف أتصرف أغيثوني أنجدوني ادعوا لي ولوالدتي فليس لي سوى رحمة الله التي يمن بها علي سبحانه وتعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. وصل اللهم على سيدنا ونبينا وحبيبنا المصطفى محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فنسأل الله سبحانه لأمك العافية والشفاء، ولك الهداية والتوفيق والقيام بحقوق أمك وأسرتك... ثم بعد ذلك نقول: لا شك أن ما آل إليه حال أمك من إصابتها بهذا المرض العضال الذي أقعدها وأفقدها القدرة على القيام بضروراتها وحاجياتها ما يحتم عليك القيام بحقها أتم قيام وذلك بخدمتها ورعايتها حتى تتعافى من مرضها أو يقدر الله لها أمراً آخر، ولكن لا يتعين عليك مباشرة ذلك بنفسك، بل يمكنك أن تستأجري لأمك خادمة تلازمها ليلاً ونهاراً وتقوم على رعايتها أتم الرعاية، ثم إن كانت أمك غنية فإن أجرة الخادمة تكون عليها، وإن كانت أمك فقيرة فإن أجرة الخادمة تلزمك أنت.

فإن لم يتيسر ذلك فعليك أن ترجعي أنت للقيام بواجبك تجاه أمك ولو أدى ذلك إلى طلاقك من زوجك، لأنه قد تعين عليك خدمة أمك تعيناً متأكداً، والأولى أن تأخذي أولادك معك لأن مقامهم في بلاد الكفر مآله خطير وقلَّ من أقام بهذه البلاد إلا وقد أصابه من الفتن ما أفسد عليه دينه وخلقه، وقد بينا خطر الإقامة في هذه البلاد في الفتوى رقم: 2007.

فإن خفت على نفسك وولدك من الظروف الأمنية السيئة فيمكنكم أن تهاجروا إلى إحدى البلاد المسلمة بشرط أن تصطحبي أمك معك لتكون في رعايتك.

وأما نفقة الأولاد الصغار فإنها تلزم أباهم إذا كانوا فقراء لا مال لهم وهذا بإجماع أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه العلم أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. انتهى.

وأما البالغون فقد اختلف أهل العلم في نفقتهم، جاء في سبل السلام: قال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب، فأوجب طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالاً كانوا أو بالغين، إناثاً أو ذكراناً إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن الآباء. وذهب الجمهور إلى أن الواجب الإنفاق عليهم إلى أن يبلغ الذكر وتتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إذا كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب. انتهى.. والراجح أن انشغال الولد البالغ بالتعليم وعدم تفرغه للعمل بسبب ذلك يوجب نفقته على أبيه ولو كان صحيحاً، وقد بينا هذا في الفتوى رقم: 113285.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني