السؤال
رأيت قولًا للمفسرين بأن الباء حين تأتي في الجزاء بالجنة تكون للسببية، ليست ثمنا للجنة، كقول الله: {جزاءً بما كانوا يعملون}، فما نوعها في قول الله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}، فالواضح من الشراء أن يكون ثمنًا لا سببًا؟ وكيف الجمع بين الآية وحديث: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله)، فالصحابة الذين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كان منهم من باع نفسه وماله لله؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الحديث واضح في أن العمل -أيًّا كان نوعه-، فلن يكون هو العوض المكافئ، والقيمة المعادلة لذلك الجزاء؛ لأن الجزاء لعظمته -وهو الجنة- لا يقدّر بثمن، ولأن العمل نفسه هو فضل من الله على العبد، ومنّة منه عليه، ثم إن نفس الإنسان وماله لو باعهما، فهما في الأساس ملك الله وحده، وإنما تكرّم الله ووعد عليه بذلك الثمن العظيم.
فهي وإن جعلت ثمنًا للجنة، وسببًا لنيلها، كما في قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ {التوبة: 111}، إلا أن النفس والمال ليسا قيمة مكافئة للجنة، وهذا هو المقصود من الحديث المذكور، وهو مقصود أهل العلم بأنها سببية، أي أن الله تفضّل بجعلها سببًا لدخولها، قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير: ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صيغ الاشتراء، أدخلت هنا في "بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ"؛ لمشابهة هذا الوعد الثمن. انتهى.
ولذا فالمقصود من قول بعضهم: ليست ثمنية، أنها ليست هي القيمة المكافئة لذلك، وإن جعلت سببًا له؛ إذ القيمة هي ما يعادل الشيء، بينما الثمن هو ما يتراضى عليه الطرفان، سواء كان أقل من القيمة أم أكثر.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وقوله صلى الله عليه وسلم: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، لا يناقض قوله تعالى: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {الواقعة: 24}، فإن المنفي نُفي بباء المقابلة والمعاوضة، كما يقال: بعت هذا بهذا، وما أثبت أثبت بباء السبب؛ فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببًا للجزاء؛ ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه، وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه، فهو ضال. انتهى.
وقال- أيضًا: وقد قال: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله، وفضله، ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات. انتهى.
وقال- أيضًا: وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت -يا رسول الله-؟ قال ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل}، وهذا لا ينافي قوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}، فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب. انتهى.
ففي الحديث جاءت الباء بالنفي؛ لنفي العوض المكافئ، وفي الآيات جاءت بالإثبات؛ لبيان كونها سببًا نافعا، لذلك قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: وأما ترتب الجزاء على الأعمال؛ فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة... بل ذلك برحمة الله وفضله، والباء التي في قوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [الم السجدة: 17]، وغيرها، باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. انتهى. ولمزيد من الفائدة راجع الفتويين: 143299، 10116.
والله أعلم.