السؤال
ما التوجيه الأمثل لإرشاد الشباب إلى رسم أهدافهم الإيجابية، وتعزيز المسؤولية والانضباط في العمل لأمتهم؟
ما التوجيه الأمثل لإرشاد الشباب إلى رسم أهدافهم الإيجابية، وتعزيز المسؤولية والانضباط في العمل لأمتهم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنّ توجيه الشباب هو استثمار في مستقبل الأمة. وبناء أهدافهم ليس مجرد عملية "تخطيط دنيوي"، بل هو "عبادة ورسالة". ولتحقيق ذلك، ينبغي الاعتماد على منهجية شاملة تخاطب الوجدان، وتوقظ العقل، وتدفع الجوارح للعمل، وذلك عبر المحاور التالية:
أولاً: تحرير الغاية الوجودية (لماذا أنا هنا؟)
قبل سؤال الشاب عما يريد تحقيقه، يجب ربطه بالغاية الكبرى؛ وهي العبودية لله، وإعمار الأرض. فإذا عرف الشاب أنه مستخلف، تحولت أهدافه من رغبات شخصية إلى رسالة سامية، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون [المؤمنون: 115].
ثانياً: ترسيخ فقه المسؤولية الفردية والمجتمعية: يجب تعليم الشاب أن "الحرية" لا تنفك عن "المسؤولية"، وأن كل إمكانية مُنحت له (وقت، صحة، مال) سيُسأل عنها. والمسؤولية تبدأ بضبط النفس أولاً قبل قيادة الآخرين، يقول صلى الله عليه وسلم: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، قال: -وحسبت أن قد قال- والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته. متفق عليه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: لا تزول قَدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسْأَلَ عن عمره فِيمَ أفناه، وعن علمه فِيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وَفِيمَ أنفقه، وعن جسمه فِيمَ أبلاه. رواه الترمذي.
ثالثاً: منهجية "الهدف النافع" (الجمع بين الصلاح والإصلاح): يتم إرشاد الشاب إلى تحويل قيمه الإسلامية إلى أهداف ذكية (محددة، وقابلة للقياس)، مع التأكيد على أن أفضل الأهداف ما جمع بين مصلحة الفرد ونفع الأمة، ليكون الشاب "مباركًا أينما كان".
كما ينبغي غرس فكرة "الأثر المستمر"؛ أي أن يكون الهدف مع نفعه للمجتمع مستمرًا لما بعد الجهد اللحظي.
رابعًا: إحياء قيمة العمل، وإتقان الانضباط: فالانضباط في الإسلام ليس قيداً فحسب، بل هو "تقوى" في أداء الواجب. فالشاب المتعلق بالله يحترم الوقت لأنه وعاء العمل، ويصبر على مشاق الطريق؛ لأن العمل عبادة، يقول الله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105].
خامساً: الاحتضان بالقدوة الحسنة الحية: فالشباب لا يستجيبون للوعظ النظري بقدر استجابتهم للنموذج التطبيقي. فالأب، والمعلم، والمربي، هم "النموذج الذي يمشي بين يدي الشباب"؛ فمتى رأوا قدوةً حسنة حية تعترف بالخطأ، وتجتهد في الإتقان، انقادوا للقيم طواعية.
سادساً: استثمار الشغف وتوجيه الطاقات: بدل كبت طاقات الشباب، أو تسفيه اهتماماتهم (سواء في التقنية، الرياضة، أو الفن المنضبط)، يجب "أسلمة" هذه الاهتمامات وتوجيهها لخدمة قضايا الأمة، ليكون الشاب مسلمًا معاصرًا، يخدم دينه من خلال تميزه المهني.
سابعاً: ربط النجاح بالاستقامة لا بالنتائج المادية: يجب زرع ثقافة "بذل السبب" والتوكل على الله، وتعليم الشاب أن الفشل في مرحلة هو مجرد "درس يستفاد منه"، وأن الفشل الحقيقي هو ترك الاستقامة. هذا الربط يحمي الشباب من الإحباط عند تأخر النتائج، أو ضغوط المقارنات مع الأقران.
الخلاصة: إن إرشاد الشباب يبدأ بإحياء القلوب بالمعاني الإسلامية، وتنوير العقول بالوعي المنتج، وتدريب الجوارح على العمل البناء، واحتضان الكيان كله بالقدوة الحسنة الحية. فمتى بُنيت الأهداف على القيم الثابتة، صمد الشباب أمام رياح الفتن، وضغوط الحياة.
والله أعلم.
بحث عن فتوىيمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني