الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم المواعدة بالصرف

السؤال

عندنا في البلد وُضِعت منحة تُسمّى منحة السفر، وصيغتها أن تذهب إلى البنك قبل الرحلة بثلاثة أيام، فتدفع المبلغ، فيُعطى لك وصلُ دفع. ثم يوم الرحلة تُقدِّم ذلك الوصل للعاملين في المطار، فتأخذ ما يقابله من اليورو.
وقد اختلف أهل البلد في حكم ذلك؛ فمنهم من أجازه وقال: إنه في حكم التقابض الحكمي، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من قال: يجوز للضرورة.
فنريد التفصيل بارك الله فيكم، وهل العُمرة تُعَدّ من الضرورة؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد تقدم سؤال حول هذا الموضوع، وأجبنا عنه بالفتوى: 508570.

وفيها أنه إن كان ما يجري بين المسافر والبنك أولًا هو مواعدة محضة بالمصارفة، مع إيداع العميل العملة المحلّية في البنك، ثم عند دفع الوصل بالمطار بعد استكمال إجراءات السفر، يتم عقد المصارفة حينئذ؛ فهي مصارفة بوديعة، والمصارفة بالوديعة المعلوم بقاؤها جائزة.

قال ابن قدامة في المغني: إذا كان له عند رجل دينار وديعة، فصارفه به، وهو معلوم بقاؤه، أو مَظْنُونٌ، صَحَّ الصرف. اهـ.

ونضيف هنا أنه إذا قلنا بأن الوديعة صارت دينًا في ذمة البنك، فالمصارفة عما في الذمة جائزة أيضًا.

قال الحطاب في مواهب الجليل: وكذا إن كان الدين من جهة واحدة، وأراد من عليه الدين أن يصارف صاحبه عليه جاز إن كان قد حل ودفع إليه العوض الآخر في ساعته قبل أن يفترقا. انتهى.

وموضوع المواعدة بالصرف، قد منعه بعض المالكية، وكرهه آخرون، ومنهم من أجازه.

قال الحطاب في المواهب أيضًا: وحرم صرف بمواعدة، وهذا القول شهره ابن الحاجب، وابن عبد السلام، وقال ابن رشد: هو ظاهر المدونة، وشهر المازري الكراهة، ونسبه اللخمي لمالك وابن القاسم وصدر به في المقدمات، ونسبه لابن القاسم، ونصه: "وأما المواعدة فتكره، فإن وقع ذلك، وتم الصرف لم يفسخ الصرف عند ابن القاسم، وقال أصبغ: يفسخ، ولعل قول ابن القاسم إذا لم يتراوضا على السوم وإنما قال له: اذهب معي أصرف منك، وقول أصبغ: "إذا راوضه على السوم فقال له: اذهب معي أصرف منك ذهبك بكذا وكذا " اهـ. وقال ابن بشير: الكراهة محمولة على المراوضة، وظاهرها المنع، ولابن نافع الجواز. انتهى.

وعلى فرض كون مايتم مواعدة بصرف الوديعة في المطار، وأنها مكروهة على ما نسب لابن القاسم وهو أوسط الأقوال فيها، فهذه الكراهة تدفعها الحاجة إلى ذلك.

وبالتالي؛ فيجوز الإقدام على تلك المعاملة لمن احتاج إليها.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني