الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإننا قبل الدخول في صلب جواب ما سألت عنه، نرى أنه من المفيد لفت كريم انتباهك إلى توجيهات ومحددات، لعلها تنير لك الطريق؛ فنقول: إن الواجب على المسلم التسليم لأحكام الشرع، والانقياد لها طيبةً بها نفسه، منشرحاً بها صدره، قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: 36].
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلّمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به. انتهى.
كما ننوّه إلى أن العمل بالأحكام الشرعية لا يتوقف على ثبوت الإجماع أو اتفاق أكثر العلماء عليها، ولكن من ترجح عنده حكم بدليل شرعي -إن كان أهلا لذلك- أو بتقليد عالم ثقة، وجب عليه العمل به، ولا يسوغ له أن يترك العمل به، أو يتهاون فيه لمجرد وجود خلاف في المسألة.
قال ابن عبد البر -رحمه الله- في جامع بيان العلم وفضله: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله. انتهى.
وقد شرع الإسلام الولاية على المرأة (لا سيما في النكاح) لصيانتها، وتكريمها، وحمايتها، وليس للانتقاص من أهليتها. وتهدف الولاية إلى توفير سند اجتماعي للمرأة يمنع من استغلالها من قِبل الانتهازيين، ويجنبها مباشرة أمور تخدش حياءها، مع مراعاة طبيعتها العاطفية في اتخاذ القرارات المصيرية، وضمان حقوقها.
ولكن ولاية الأب وحقّه في الطاعة في المعروف؛ لا تعني تسلّطه على أولاده، وتدخله في كل شؤونهم على وجه العنت؛ ولكنّها مسؤولية، وتكليف برعاية مصالحهم.
والأصل في الأب أنّه أحرص الناس على مصالح أولاده ونفعهم، لما له من الخبرة والدراية مع ما فطره الله عليه من الشفقة عليهم.
فالواجب عليك برّ أبيك وطاعته في المعروف، وإذا افترِضَ أنّه تعنّت معك، أو ضيّق عليك في بعض الأمور بغير حقّ؛ فاصبري عليه، واحرصي على برّه بقدر المستطاع، فالوالد أوسط أبواب الجنة، وحقّه عليك عظيم، ولا يسقط حقّه بإساءته أو ظلمه لولده.
والواجب عليك التأدب معه في كل حال، والتواضع وخفض الجناح له، والحذر من الإساءة إليه بشجار معه أو كلام خشن، فهذا غير جائز.
قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (وقل لهما قولا كريمًا): فينبغي -بحكم هذه الآية- أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله وسكناته ونظره. انتهى.
وجاء في كتاب البر والصلة لابن الجوزي -رحمه الله-: عن يزيد بن أبي حبيب، قال: إيجاب الحجة على الوالد عقوق. اهـ.
ونوصيك كذلك بالمبادرة إلى الزواج وإنجاب الذرية، ففي ذلك من المصالح الشيء العظيم.
يقول الدكتور محمد الصباغ -حفظه الله-: إن غريزة الامتداد في الذراري والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج. فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي بالنسبة إليك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتة كريمة تتعهدها بالتربية والتهذيب، تحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلك.
ويكفي الممتنع عن الإنجاب عقوقًا أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم، وتنتهي به. انتهى من كتاب "نظرات في الأسرة المسلمة".
ويمكنك مع الزواج إكمال دراستك، لا سيما إن شرطت ذلك على من يتقدم لك، وانظري الفتوى: 72442.
فهذه نصائح من القلب، نهديها لك بين يدي ما سنذكره لك من كلام الفقهاء بخصوص ما سألت عنه، فمذهب الحنفية أنّ البكر البالغة حديثة السنّ؛ تكون في ولاية أبيها -الولاية على النفس-، فيضمّها إليه، ولا يأذن لها بالانفراد، أمّا الكبيرة ذات العقل والرأي؛ فلها أن تنفرد عن أبيها إذا كانت مأمونة.
قال ابن نجيم في كتابه (البحر الرائق): ومتى كانت الجارية بكرًا يضمها إلى نفسه، وإن كان لا يخاف عليها الفساد إذا كانت حديثة السن، أما إذا دخلت في السن، واجتمع لها رأي وعقلت، فليس للأولياء حق الضم، ولها أن تنزل حيث أحبت حيث لا يتخوف عليها. انتهى. وحجتهم في ذلك؛ أنّ البكر حديثة السنّ مطمع لكل طامع، وليس لها من الخبرة ما يمنعها من الانخداع.
ومذهب المالكية، والصحيح عند الحنابلة؛ أنّ الولاية على البكر البالغة لا تنتهي إلا بدخول الزوج بها، ففي المذهب المالكي؛ جاء في كتاب (لوامع الدرر، في هتك أستار المختصر) لمحمد بن محمد سالم المجلسي: وأما الصبية: فيستمر الحجر عليها بالنسبة لنفسها إلى سقوط حضانتها بالبناء بها. انتهى. وحجتهم في ذلك: حاجة البنت إلى الحفظ والرعاية أكثر من الابن.
فقد جاء في كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة): يحضن الغلام إلى أن يبلغ، والجارية إلى أن تنكح ويدخل بها زوجها ... لأن الابنة تحتاج إلى الحفظ والمراعاة إلى أكثر مما يحتاج إليه الابن، وبلوغها لا يزيل ذلك؛ لأنها معرضة للأزواج، وبنفس بلوغها لا تعرف مصالح نفسها، والأزواج يرغبون فيمن يكنفها أبوها وأمها، ومن لم تخرج عن حضانتهما ومراعاتهما أكثر من رغبتهم في المتخلية بنفسها، فكانت المصلحة لها في تبقية حق الحضانة عليها. انتهى.
وفي المذهب الحنبلي؛ جاء في كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف): إذا بلغت الجارية عاقلة، وجب عليها أن تكون عند أبيها حتى يتسلمها زوجها، وهذا الصحيح من المذهب. انتهى. وحجتهم في ذلك شبيهة بحجة المالكية، وهي أنّ البنت لا يؤمن عليها من أهل الفساد إذا انفردت عن أبويها.
قال ابن قدامة في كتابه (المغني): ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه، فأما البالغ الرشيد، فلا حضانة عليه، وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه، فإن كان رجلاً، فله الانفراد بنفسه، لاستغنائه عنهما، ويستحب أن لا ينفرد عنهما، ولا يقطع بره عنهما وإن كانت جارية لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه؛ لأنه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك. انتهى.
ومذهب الشافعية المعتمد عند المتأخرين؛ أنّ الولاية على البنت تنتهي بالبلوغ.
قال الخطيب الشربيني في كتابه (مغني المحتاج): وإن كان أنثى، فإن بلغت رشيدة، فالأولى أن تكون عند أحدهما حتى تتزوج إن كانا مفترقين، وبينهما إن كان مجتمعين؛ لأنه أبعد عن التهمة، ولها أن تسكن حيث شاءت ولو بأجرة هذا إذا لم تكن ريبة. انتهى.
هذا؛ واعلمي أن الفقهاء نصوا على أن المسائل الخلافية تجب طاعة الوالدين إذا أمرا بأحد الوجهين فيها، ولو كان الولد يرى رجحان غيره، ما لم يكن ما أمراه به موجبًا للوقوع في فعل ما ترجح تحريمه؛ أو ترك ما ترجح وجوبه. وللفائدة راجعي الفتويين: 333040، 285715.
والله أعلم.