السؤال
هناك بعض الأمور التي أعلم أن النبي ﷺ نهى عنها، لكن لا أدري: هل النهي فيها للتنزيه أم للتحريم، مع أنني لا أفعلها.
والسؤال: إذا رأيت شخصًا يرتكب أمرًا منهيًّا عنه، ولم أُنكر عليه؛ لأنني أجهل هل النهي فيه للتحريم أم لغيره، فهل آثم إذا كان ذلك الأمر محرَّمًا، مع أنني أجهل حكمه؟ وهل الجهل بهذه الأمور أفضل؛ لأنني سأتفادى التكليف بإنكار المنكر؟
وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد قرر الفقهاء أن من شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالماً بما يأمر به وينهى عنه؛ لأن الإنكار بجهل قد يؤدي إلى تحريم مباح، أو تبديع مشروع، فيكون مفسداً أكثر من كونه مصلحاً، وقد قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108].
قال ابن تيمية في المجموع: فلا بد من هذه الثلاثة: العلم؛ والرفق؛ والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي؛ والرفق معه، والصبر بعده. اهـ.
ثم إن الإنكار الواجب على العوام إنما يكون في الأمور الظاهرة المشهورة، أما دقائق المسائل، وما يحتمل الكراهة، أو يقع فيه خلاف اجتهادي بين العلماء في دلالة النهي، فليس لغير العالم بها أن يجزم بالإنكار فيها على الفاعل.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة -كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها-، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء. اهـ.
وقال الجاوي في نهاية الزين: يجب عليه -أي المحتسب- النهي عن المكروه؛ بخلاف غيره فيندب. اهـ .
وأما كون الجهل بهذه الأمور أفضل لتفادي التكليف بإنكار المنكر فغير صحيح؛ فالجهل ليس خيرًا بحال؛ فقد رفع الله شأن العلم وأهله، فقال سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 11]. وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9].
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. رواه مسلم، فالإعراض عن الفقه والتعلم حرمان من هذا الخير.
ثم إن التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأصل فرض كفاية، قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين. اهـ.
ومراتب القيام به مقيدة بالاستطاعة والحكمة والرفق، وبحسب ما يرجحه الميزان الشرعي بين المصالح والمفاسد؛ فالشريعة لم توجب على المسلم ما يشق عليه فوق طاقته، وإنما يسعه عند العجز الإنكار بقلبه، مع بذل النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا موجب للتخوف من تعلم أحكام الدين، وتفضيل الجهل بها عليه.
جاء في المنثور للزركشي: إعذار الجاهل من باب التخفيف، لا من حيث جهله، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: لو عذر الجاهل، لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. اهـ.
والله أعلم.