الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالارتقاء بالمسلم، وتعزيز هويته وقيمه الحضارية مهمة نبيلة، ومطلب عظيم، ينبغي أن تسعى إلى تحقيقه الأمة بكل طاقاتها، ولا يكون ذلك إلا برسم منهجٍ متكامل، يعنى بتزكية الفرد، وبناء الوعي، وهذا المنهج قررته نصوص الوحي، وتحقق عمليًا في سيرة السلف، ويمكن تلخيصه في المحاور الآتية:
أولًا: ترسيخ العقيدة الصحيحة، وتعظيم النص الشرعي في نفوس الناشئة، والرجوع إليه في التصورات والأحكام؛ فالهوية الإسلامية تنطلق من تصحيح الإيمان، وربط المسلم بالوحي.
والعقيدة ليست شأنًا فرديًا فقط، بل هي هوية أمة، ورسالة حضارية، قال الله تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].
وانظر مقومات غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة، والدلائل التي سلكها القرآن في غرسها، في الفتويين: 56067، 114310.
ثانيًا: بناء العلم الشرعي والوعي الحضاري؛ فلا يمكن لهوية أن تصمد بلا علم، وبالعلم الشرعي، والمعرفة بمقاصد الشريعة - تتبين شمولية الإسلام، وأنه جاء لهداية الإنسان، وبناء العمران. فلا تُصان الهوية ولا القيم إلا بالعلم.
والجهل من أعظم أسباب الانحراف الحضاري، قال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9]، وقال سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: 19]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. متفق عليه.
وقال الإمام مالك: لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. أي الوحي والعلم والعمل.
ثالثًا: تزكية النفس وبناء الأخلاق؛ فالقيم الحضارية الإسلامية ليست نظريات، بل هي سلوك عملي.
وعلى هذا؛ فلا بد من تربية المسلم على الإخلاص، والصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، وإحياء فقه الأخلاق والمعاملات، وربط العبادة بأثرها السلوكي والاجتماعي، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن مقصد البعثة هو تحقيق مكارم الأخلاق، فقال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق، رواه أحمد، وهذا أصل عظيم في البناء الحضاري.
وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: 90]، وقال سبحانه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83].
وقال صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.
وقال ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين): الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين. اهـ.
رابعًا: الاعتزاز بالانتماء للأمة والتاريخ الإسلامي؛ فمن أسباب ضعف الهوية الإسلامية لدى بعض أفراد هذا الجيل - الجهل بتاريخ الأمة وإنجازاتها، والانبهار غير الواعي بالآخر.
والعلاج يكون بتعليم الشباب السيرة النبوية الشريفة، وسير العلماء والمصلحين، وإبراز النموذج الحضاري الإسلامي في العلم، والعدل، والعمران. قال الله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران: 137].
لذا؛ فإحياء الاعتزاز بالتاريخ الإسلامي ضرورة لحفظ الهوية.
هذا؛ والاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق على الذات، بل يعني الثقة في الموروث الحضاري، والاتزان في النظر لمنتجات الآخرين الحضارية، واقتباس ما يتناسب مع هويتنا وثقافتنا.
خامسًا: إصلاح مؤسسات التربية والإعلام؛ فالهوية لا تُبنى فرديًا فقط، بل تبنى بتوجيه التعليم لبناء المسلم المتوازن، بإعلام يرسّخ القيم، ولا يذيبها. ولا بد من دعم الأسرة والمسجد كمؤسستين أساسيتين في التنشئة.
سادسًا: القدوة الصالحة والتربية العملية؛ فأعظم وسائل التأثير هي: الداعية، والمعلم، وولي الأمر، والصحبة الصالحة.
ولا بد من تحقيق القيم الإسلامية في الواقع العملي، وربط الشباب بنماذج صالحة معاصرة، فلا يكفي التنظير، بل لا بد من نماذج حية، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض.
وفي الحديث عن سعد بن هشام بن عامر، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم}.
والخلاصة؛ أن الارتقاء بالمسلم، وتعزيز هويته وقيمه الحضارية يكون من خلال: إيمان راسخ، وعلمٍ شرعي عميق، وخلقٍ حسن، وانتماءٍ حضاري واعٍ لسلف هذه الأمة، وتربيةٍ عملية، وقدوةٍ صالحة.
وانظر وسائل الحفاظ على الهوية الإسلامية في الفتويين: 27185، 55038.
والله أعلم.