الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
وعد الله عباده المؤمنين المخلصين بجنة عرضها السماوات والأرض، فيها من النعيم ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر..تلك الجنة دارٌ لا سقم فيها ولا هرم، ولا تعب ولا نصب، ولا حزن فيها ولا هم، ولا مرض ولا موت، وإنما هي دار الخلود والسرور، فيها من النعم والخيرات والملذات ما يعجز اللسان عن وصفه، ويقصر الخيال عن إدراكه..
وقد جاء وصف الجنة في الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال الله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا}(الرعد:35)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يُنادِي مُنادٍ (عَلى أَهْل الجنَّة): إن لكم أن تصِّحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبْأسوا أبداً) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أعددْتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بَشر، مصداق ذلك في كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(السجدة:17)) رواه البخاري.
وإذا استقر أهل الجنة في منازلهم، واطمأنوا إلى نعيمهم، ناداهم رب العزة سبحانه: (يا أهْلَ الجَنَّةِ، فيَقولونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فيَقولُ: هلْ رَضِيتُمْ؟ فيَقولونَ: وما لنا لا نَرْضَى يا رَبِّ وقدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فيَقولُ: ألا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِن ذلكَ، فيَقولونَ: يا رَبِّ وأَيُّ شيءٍ أفْضَلُ مِن ذلكَ، فيَقولُ: أُحِلُّ علَيْكُم رِضْوانِي فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا) رواه البخاري.
ثم يزيدهم ربهم كرامةً فوق كرامة، فيكشف لهم عن وجهه الكريم، فينظرون إليه سبحانه، فما أوتوا نعمةً ألذ ولا أعظم من النظر إلى وجه الله تعالى، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(القيامة:22-23).. هناك يشرق الوجه، ويطمئن القلب، ويزول كل همٍّ وحزن، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلَ أهلُ الجنة الجنَّةَ يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدُكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتُنجنا من النَّار؟ قال: فيرفعُ الحجاب، فينظرون إلى وجه الله، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثمَّ تلا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}(يونس:26) رواه مسلم.
تأملوا ـ رعاكم الله ـ حال الدنيا ومتاعها: قصورٌ مُشيدة، ومراكب فارهة، وأموالٌ مكدسة، لكنها كلها إلى زوال، وما فيها من صحة الأبدان مهما قويت فإن المرض يضعفها، واجتماع الأحباب مهما دام فإن الموت يفرّقهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ}(الرحمن:26-27)..
فالدنيا ظلٌّ عابر، ومتاعٌ قليل، ومن لم يغتنم أيامه في طاعة الله ندم يوم لا ينفع الندم، يوم يُساق المرء إلى قبره وحيداً، بينما يتقلب أهله على فرشه ويستمتعون بما خلّف وراءه من مالٍ ومتاع، وينسونه إلا من رحم الله، وكأننا لا ندرك أننا سنحتاج يوم القيامة إلى حسنة واحدة ربما تنجينا من النار، يومها يتمنى الأب والأم من أولادهم حسنة، لكن الكل يقول: "نفسي نفسي!!" قال الله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ شَأۡنࣱ یُغۡنِیهِ}(عبس:34-37).. فنعيم الدنيا قصير، وصحتها إلى مرض، ومالها إلى فناء، وأمنها إلى قلق، أما نعيم الآخرة فباقٍ لا ينقطع، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}(البقرة:25)..
أيها المؤمنون: لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم أن الجنة هي سلعة الله الغالية، فعظم في نفوسهم وقلوبهم قدرها ومنزلتها، وما فيها من النعيم المقيم، فأعدوا لها العُدة، وقدموا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، وصدق فيهم قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}(التوبة:111)..فمنهم من باع نفسه لله في بدر وأحد والخندق، ومنهم من ترك ماله ودياره مهاجرًا إلى الله ورسوله، ومنهم من صبر على العذاب والكيّ والضرب، كما ذكر خباب بن الأرت رضي الله عنه حين كشف ظهره للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه آثار الحديد والنار، وقال: (أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم مذكِّرًا بصبر من سبق: (كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ) رواه البخاري.
هكذا كانوا رضوان الله عليهم، عرفوا قدر الجنة، فطلبوها، وبذلوا النفس والمال رخيصًا في سبيلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من خافَ أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّةُ) رواه الترمذي.
فالجنة سلعة الرحمن، ليست رخيصة ينالها الكسالى، بل هي غالية لا ينالها إلا من جدّ واجتهد، وسهر الليالي، وصبر على الطاعات، واحتمل المشاق
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف واحد لا اثنان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب فالمهر قب الموت ذو إمكان
والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل عملنا لأخرانا كعملنا لدنيانا؟ هل سعينا للجنة كما نسعى للدنيا؟!!
الجنة تريد منا عملاً، فما هو العمل الذي قدمناه لها؟! إن واقعنا يشهد بالغفلة والتقصير والتفريط، ولكن الذي يطمع في الجنة، يحرص أن يبذل في هذه الدنيا عملاً خالصاً مباركاً يرجو به رحمة الله وجنته، ويحرص مع هذا على عمل يبقى مستمراً يأتي له بالحسنات بعد موته، فإن أناساً الآن في قبورهم، لكن ملائكة الحسنات لا زالت تكتب حسناتهم، وإن أناساً أمواتاً في قبورهم، لكن ملائكة السيئات لا زالت تكتب سيئاتهم!
ينبغي أنت نكون أشد سعيا لأمور آخرتنا من أمور دنيانا، نريد حسناتٍ وثواباً بعد انتهاء مدة الحياة، نريد مزيداً من الحسنات تكتب لنا ونحنُ في قبورنا، يقول صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) رواه مسلم.
فمن منا ورث علماً أو ترك علماً، أو صدقة جارية؟! من منا اعتنى بتربية ولدٍ صالحٍ لعل الله أن ينقذه من النار بسبب دعائه؟! كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الرَّجلَ لتُرفَعُ درجتُه في الجنةِ فيقولُ: أنَّى هذا؟ فيقالُ: باستغفارِ ولدِك لكَ) رواه ابن ماجه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
انظروا إلى حال الناس في دنيانا وأيامنا: فريقٌ غافل يسهر الليالي أمام الجوالات والشاشات، يتنقل بين الأفلام والمسلسلات، ويضيع عمره في لهوٍ وعبثٍ، فلا صلاة يحافظ عليها، ولا حرمات يصونها.. وفريقٌ آخر، يحافظون على الصلوات، ويحيون أوقاتهم بطاعة ربهم، ويبتعدون عن المحرمات والشبهات، ويجدون أنسهم وسعادتهم في ذكر الله، وقراءة القرآن، ومجالسة الصالحين.. وشتان بين من قضى عمره في غفلةٍ وضحكٍ ولهوٍ ومعاص، وبين من قضى أيامه في خشوعٍ وخوفٍ وخضوعٍ وطاعات، فأهل الغفلة يتحسرون يوم القيامة على ما ضيعوا من حياتهم في معصية الله وفيما لا ينفع، أما أهل الطاعة فيُبشَّرون تكريماً وتبشيراً ويقال لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}(الحاقة:24).
وختاماً، عباد الله: الجنة هي دار النعيم الأبدي، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد تُنال ـ بعد رحمة الله وفضله ـ بعملٍ يسير إذا كان خالصاً لوجه الله الكريم، وقد تُفتح أبوابها بأعمال عظيمة إذا صفت النية وصدق الإخلاص، فما الذي يحجزنا أن نتسابق إليها؟ وما الذي يمنعنا أن ننافس في ميادينها، ونبذل الغالي والرخيص، ولا نستصغر عملا في السعي إليها لنفوز برضا الله ونعيم الجنة؟!
لقد دخلت امرأةٌ الجنة في كلبٍ سقته، ودخل رجلٌ الجنة في غصنٍ نحّاه عن طريق الناس، ودخل آخر الجنة في كلمة صدق قالها، ودخل آخر في دمعةٍ خاشعةٍ في جوف الليل، وآخر في صدقةٍ يسيرةٍ أخرجها من ماله، وآخر في برٍّه بوالديه، ودخل آخر في كلمةٍ طيبةٍ قالها لأخيه، وآخر في وضوءٍ أحسن إسباغه، ودخل آخر في ركعتين خفيفتين صلاهما لله، وآخر في تسبيحةٍ أو تحميدةٍ أو تهليلةٍ قالها بصدقٍ وإخلاص.
ودخل آخر الجنة بحسن خلقه مع الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وأقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القيامةِ أحاسِنَكُم أخلاقًا) رواه الترمذي.
ودخل آخر الجنة بصبره على البلاء ورضاه بقضاء الله، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(الزمر:10).
ودخل آخر الجنة بحسن تربيته لبناته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَن كانَ لَهُ ثلاثُ بَناتٍ فصبَرَ عليهنَّ، وأطعمَهُنَّ، وسقاهنَّ، وَكَساهنَّ كنَّ لَهُ حجابًا منَ النَّارِ يومَ القيامةِ) رواه أحمد، وفي رواية ابنتين وأختين، بل وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وُلِدَتْ له ابنةٌ فلم يئِدْها ولم يُهنْها، ولم يُؤثرْ ولَده عليها ـ يعني الذكَرَ ـ أدخلَه اللهُ بها الجنة) رواه أحمد.
ودخل آخر الجنة بإطعامه الجائع، وإكسائه العاري، وتفريجه لكربة وشدة أخيه، وإدخاله السرور على قلب مسلم.
ودخل آخر الجنة بتلاوته للقرآن والعمل به، ودخل آخر الجنة بحسن صحبته وإحسانه لجاره.. ودخل آخر الجنة بكفّه الأذى عن المسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فمَن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) رواه البخاري.
فالجنة ـ عباد الله ـ ليست بعيدة، وإنما هي قريبة، أقرب إليكم مما تتخيلون، لكنها تحتاج إلى صدقٍ في النية، وإخلاصٍ في العمل، وصبرٍ على الطاعة، ومجاهدةٍ للنفس، ومسابقةٍ في الخيرات، كما قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الحديد:21).
أبوابها مفتوحة، وطرقها ميسّرة، وأعمالها متنوعة، فلا يزهدنّ أحدٌ في معروفٍ ولو كان يسيراً، ولا يستصغرنّ طاعةً مهما بدت صغيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهو سبحانه الكريم الجواد، يعطي على القليل الكثير، ويثيب على اليسير الجزيل، ويضاعف لمن يشاء بغير حساب.. وكما أن المؤمن مأمورٌ بألا يحقر عملاً صالحاً مهما صغر، فهو مأمورٌ أيضاً ألا يستصغر ذنباً ولا معصية، فقد تكون سبباً في البُعد عن الجنة والحرمان من نعيمها.
فهلمّوا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، واغتنموا أعماركم قبل أن تنقضي في المسارعة إليها، فهي دار البقاء والنعيم الذي لا يزول..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






