الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( وإن هلك أحد [ ص: 218 ] العبدين ثم اختلفا في الثمن  لم يتحالفا عند أبي حنيفة إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك من الثمن . وفي الجامع الصغير : القول قول المشتري مع يمينه عند أبي حنيفة إلا أن يشاء البائع أن يأخذ العبد الحي ولا شيء له . وقال أبو يوسف : يتحالفان في الحي ويفسخ العقد في الحي ، والقول قول المشتري [ ص: 219 ] في قيمة الهالك . وقال محمد : يتحالفان عليهما ويرد الحي وقيمة الهالك ) لأن هلاك كل السلعة لا يمنع التحالف عنده فهلاك البعض أولى . ولأبي يوسف أن امتناع التحالف للهلاك فيتقدر بقدره .

ولأبي حنيفة أن التحالف على خلاف القياس في حال قيام السلعة وهي اسم لجميع أجزائها فلا تبقى السلعة بفوات بعضها ، ولأنه لا يمكن التحالف في القائم إلا على اعتبار حصته من الثمن فلا بد من القسمة وهي تعرف بالحذر والظن فيؤدي إلى التحالف مع الجهل وذلك لا يجوز [ ص: 220 ] إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك أصلا لأنه حينئذ يكون الثمن كله بمقابل القائم ويخرج الهالك عن العقد فيتحالفان . هذا تخريج بعض المشايخ ويصرف الاستثناء عندهم إلى التحالف كما ذكرنا وقالوا : إن المراد من قوله في الجامع الصغير يأخذ الحي ولا شيء له ، معناه : لا يأخذ من ثمن الهالك شيئا أصلا . وقال بعض المشايخ : يأخذ من ثمن الهالك بقدر ما أقر به المشتري ، وإنما لا يأخذ الزيادة .

وعلى قول هؤلاء ينصرف الاستثناء إلى يمين المشتري لا إلى التحالف ، لأنه لما أخذ البائع بقول المشتري فقد صدقه فلا يحلف المشتري ، [ ص: 221 ] ثم تفسير التحالف على قول محمد ما بيناه في القائم . وإذا حلفا ولم يتفقا على شيء فادعى أحدهما الفسخ أو كلاهما  يفسخ العقد بينهما ويأمر القاضي المشتري برد الباقي وقيمة الهالك .

واختلفوا في تفسيره على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، والصحيح أنه يحلف المشتري بالله ما اشتريتهما بما يدعيه البائع ، [ ص: 222 ] فإن نكل لزمه دعوى البائع ، وإن حلف يحلف البائع بالله ما بعتهما بالثمن الذي يدعيه المشتري ، فإن نكل لزمه دعوى المشتري ، وإن حلف يفسخان العقد في القائم وتسقط حصته من الثمن ويلزم المشتري حصة الهالك ويعتبر قيمتهما في الانقسام يوم القبض ( وإن اختلفا في قيمة الهالك يوم القبض فالقول قول البائع ، [ ص: 223 ] [ ص: 224 ] وأيهما أقام البينة تقبل بينته . وإن أقاماها فبينة البائع أولى )

وهو قياس ما ذكر في بيوع الأصل ( اشترى عبدين وقبضهما ثم رد أحدهما بالعيب وهلك الآخر عنده يجب عليه ثمن ما هلك عنده ويسقط عنه ثمن ما رده وينقسم الثمن على قيمتهما . فإن اختلفا في قيمة الهالك فالقول قول البائع ) لأن الثمن قد وجب باتفاقهما ثم المشتري يدعي زيادة السقوط بنقصان قيمة الهالك والبائع ينكره والقول للمنكر ( وإن أقاما البينة فبينة البائع أولى ) لأنها أكثر إثباتا ظاهرا لإثباتها الزيادة في قيمة الهالك وهذا لفقه . وهو أن في الأيمان تعتبر الحقيقة لأنها تتوجه على أحد العاقدين وهما يعرفان حقيقة الحال فبني الأمر عليها والبائع منكر حقيقة فلذا كان القول قوله ، [ ص: 225 ] وفي البينات يعتبر الظاهر لأن الشاهدين لا يعلمان حقيقة الحال فاعتبر الظاهر في حقهما والبائع مدع ظاهرا فلهذا تقبل بينته أيضا وتترجح بالزيادة الظاهرة على ما مر ، وهذا يبين لك معنى ما ذكرناه من قول أبي يوسف . .

التالي السابق



الخدمات العلمية