الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( وإذا صحت المضاربة مطلقة  جاز للمضارب أن يبيع ويشتري ويوكل ويسافر ويبضع ويودع ) لإطلاق العقد والمقصود منه الاسترباح ولا يتحصل إلا بالتجارة ، فينتظم العقد صنوف التجارة وما هو من صنيع التجار ، والتوكيل من صنيعهم ، وكذا الإبضاع والإيداع والمسافرة ؛ ألا ترى أن المودع له أن يسافر فالمضارب أولى ، كيف وأن اللفظ دليل عليه لأنها مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير . وعن أبي يوسف رحمه الله أنه ليس له أن يسافر . وعنه وعن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إن دفع في بلده ليس له أن يسافر لأنه تعريض على الهلاك من غير ضرورة وإن دفع في غير بلده له أن يسافر إلى بلده لأنه هو المراد في الغالب ، والظاهر ما ذكر في الكتاب قال ( ولا يضارب إلا أن يأذن له رب المال أو يقول له اعمل برأيك ) لأن الشيء لا يتضمن مثله لتساويهما في القوة فلا بد من التنصيص عليه أو التفويض المطلق إليه وكان كالتوكيل ، فإن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره إلا إذا قيل له اعمل برأيك ، [ ص: 454 ] بخلاف الإيداع والإبضاع لأنه دونه فيتضمنه ، وبخلاف الإقراض حيث لا يملكه . وإن قيل له اعمل برأيك لأن المراد منه التعميم فيما هو من صنيع التجار وليس الإقرار منه وهو تبرع كالهبة والصدقة فلا يحصل به الغرض وهو الربح لأنه لا تجوز الزيادة عليه ، أما الدفع مضاربة فمن صنيعهم ، وكذا الشركة والخلط بمال نفسه فيدخل تحت هذا القول .قال ( وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها  لم يجز له أن يتجاوزها ) لأنه توكيل . وفي التخصيص فائدة فيتخصص ، وكذا ليس له أن يدفعه بضاعة إلى من يخرجها من تلك البلدة لأنه لا يملك الإخراج بنفسه فلا يملك تفويضه إلى غيره .

قال ( فإن خرج إلى غير ذلك البلد فاشترى ضمن   ) وكان ذلك له ، وله ربحه لأنه تصرف بغير أمره وإن لم يشتر حتى رده إلى الكوفة وهي التي عينها برئ من الضمان كالمودع إذا خالف في الوديعة ثم ترك

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : وإذا صحت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يبيع ويشتري ، ويوكل ويسافر ويبضع ويودع ) فسر أكثر الشراح المضاربة المطلقة هاهنا بأن لا تكون مقيدة بزمان ولا مكان .

أقول : هذا تقصير منهم جدا ؛ لأنها إذا لم تكن مقيدة بزمان ولا مكان ولكن كانت مقيدة بسلعة بعينها أو كانت مقيدة بالمعاملة بفلان بعينه لم تكن مطلقة بل كانت مقيدة لم يجز للمضارب أن يتجاوزها، كما سيأتي . وقال بعض من الشراح في تفسير المضاربة المطلقة هاهنا ، أي : غير مقيدة بالمكان والزمان والسلعة .

أقول : فيه أيضا نوع تقصير لدخول ما كانت مقيدة بالمعاملة بفلان بعينه في هذا التفسير أيضا مع أنها ليست بمطلقة ؛ حيث يصح ذلك التقييد، كما سيأتي في الكتاب ، فالأولى في تفسيرها أن يقال : ما لم تقيد بزمان ولا بمكان ولا بنوع من التجارة ولا بشخص من المعاملين ، وعن هذا قال في الذخيرة والمحيط : إذا دفع مالا مضاربة بالنصف ولم يزد على هذا فهذه مضاربة مطلقة ، وله أن يشتري بها ما بدا له من سائر التجارات وله أن يعمل بها ما هو من عادات التجار، انتهى .

( قوله : ولا يضارب إلا أن يأذن له رب المال أو يقول: له اعمل برأيك ؛ لأن الشيء لا يتضمن مثله ) . قال صاحب العناية : ولا يرد جواز إذن المأذون لعبده وجواز الكتابة للمكاتب والإجارة للمستأجر .

والإعارة للمستعير فيما لم يختلف باختلاف المستعملين ، فإنها أمثال لما يجانسها . وقد تضمنت أمثالها ؛ لأن المضاربة تضمنت الأمانة أولا والوكالة ثانيا، وليس للمودع والوكيل الإيداع والتوكيل، فكذا المضارب لا يضارب غيره، انتهى كلامه .

أقول : الظاهر أن قوله : لأن المضاربة تضمنت الأمانة... إلخ. تعليل لقوله: ولا يرد جواز إذن المأذون... إلخ . لكنه منظور فيه ؛ لأن حاصله إقامة دليل آخر على عدم جواز أن يضارب المضارب غيره بتضمن المضاربة الأمانة والوكالة اللتين لا يجوز فيهما الإيداع والتوكيل ولا يلزم منه عدم ورود النقض بالصور المزبورة على الدليل المذكور في الكتاب وهو قوله ؛ لأن الشيء لا يتضمن مثله فلا يتم التقريب . والوجه في الجواب عن النقض بتلك الصور ما ذكر في بعض الشروح من أن الكلام في التصرف نيابة وهؤلاء يتصرفون بحكم المالكية . أما المأذون فلأن الإذن فك الحجر ثم بعد ذلك يتصرف العبد بحكم المالكية الأصلية ، وأما المكاتب فلأنه صار حرا يدا ، وأما المستأجر والمستعير فلأنهما ملكا المنفعة .




الخدمات العلمية