الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5278 ص: وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفَادَى بِمَنْ وَقَعَ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ لَهُ ذِمَّةٌ بِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُ، فَمَكْرُوهٌ أَنْ يَرُدَّ حَرْبِيًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ ذِمَّةً، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْفِدَاءُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ فِي وَقْتٍ كَانَ لَا بَأْسَ أَنْ يُفَادَى فِيهِ بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيُرَدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَسَرُوا مِنْهُمْ كَمَا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَهْلَ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا. شرح معاني الآثار ش: أَيْ كَرِهَ قَوْمٌ آخَرُونَ، وَهُمُ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنْ يُفَادَى بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا ذَوِي ذِمَّةٍ بِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ، فَيُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُعَادُوا حَرْبِيِّينَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا ذَوِي ذِمَّةٍ. قَوْلُهُ: "وَقَالُوا" أَيْ هَؤُلَاءِ الْآخَرُونَ... إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْفِدَاءَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- إِنَّمَا كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَ يَجُوزُ رَدُّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ قَدِ انْتُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ نَسَخَ أَنْ يُرَدَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفَّارِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى جَوَازِ الْفِدَاءِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ وَثَبَتَ أَنْ لَا يُرَدَّ إِلَى الْكُفَّارِ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، وَثَبَتَ أَنَّ الذِّمَّةَ تُحَرِّمُ مَا يُحَرِّمُ الْإِسْلَامُ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِهَا وَأَمْوَالِهِمْ، وَثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا مَنْعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ النَّقْضِ وَالرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ يَمْلِكُونَهُ فَيَصِيرُ بِمِلْكِهِمْ إِيَّاهُ ذِمَّةً لَهُمْ، يَجِبُ بِالنَّظَرِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَحْرُمُ الْمُفَادَاةُ بِالْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسَرُوهُ وَصَارَ ذِمَّةً لَهُمْ وَوَقَعَ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ وَرَدًّا إِلَى أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية