الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        واختلف في الشفق الذي بمغيبه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، فقال مالك: هو الحمرة .

                                                                                                                                                                                        وقال في سماع ابن القاسم: أرجو إذا ذهبت الحمرة أن يكون الوقت قد ذهب والبياض الذي لا شك فيه. فراعى البياض. وقال ابن شعبان : في " مختصر ما ليس في المختصر" : أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة. يريد: أنه اختلف قوله فيه.

                                                                                                                                                                                        وذكر عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه البياض، والاختلاف في البياض المعترض ليس المستدق.

                                                                                                                                                                                        وهذه الرواية أقيس من قوله في كتاب الصيام; لأن الطوالع أربعة: الفجر الكاذب وهو المستدق، ثم المعترض، ثم الحمرة ثم الشمس، والغوارب أربعة: الشمس، ثم الحمرة، ثم البياض المعترض، ثم المستدق.

                                                                                                                                                                                        وقد أجمع على أن حكم المعترض حكم الحمرة، وأنهما وقت لصلاة [ ص: 229 ] واحدة، وهي الصبح ما لم تطلع الشمس، ولا حكم للمستدق أول الفجر، فعلى قوله يكون حكم المعترض بعد المغرب: حكم الحمرة.

                                                                                                                                                                                        وقد اختلف عن الخليل في مدة بقاء المستدق، فقيل عنه أنه قال: راعيته وأنه يبقى إلى آخر الليل. وفي مختصر ما ليس في المختصر عنه أنه قال: إلى نصف الليل. وإذا اختلف عنه أوقف الخبران، على أن ذلك مما لا يقتصر فيه على قوله; لأنه لم يخبر عن أمر فائت، ولا يقدر الآن على معرفته، وإنما أخبر عن شيء موجود يقدر الآن على اختباره، وقد اختبر فلم يكن كما ذكر عنه، وأيضا فإن المستدق أول تباشير الشمس عند الطلوع، وآخر بقايا الشمس بعد الغروب، فيبتدئ أولا مستدقا، فكلما دنت منزلة الشمس قوي الضياء، وكذلك في الغروب الحمرة والبياض عن الشمس، فإذا بعدت الشمس عن الأرض ذهبت الحمرة، ثم تبعد فيذهب البياض المعترض، ثم تبعد فيذهب المستدق، فبقاؤه أول الليل وطلوعه آخره - متقارب، وقد ذكر أشهب في العشاء الآخرة أن تأخيرها حتى يذهب البياض إذا اجتمع رأي الجماعة على ذلك. فهو يرد على من قال: إن البياض يبقى إلى آخر الليل .

                                                                                                                                                                                        واختلف في آخر وقت الصبح فقال في المختصر: الإسفار الأعلى. ونحوه في المدونة. وقال ابن حبيب : ما لم تطلع الشمس.

                                                                                                                                                                                        فاتفق في أوائل هذه الصلوات واختلف في أواخرها حسب ما تقدم، [ ص: 230 ] والاختلاف في ذلك متردد بين حديثين: حديث ابن عباس وحديث عبد الله (ب) ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، فحديث ابن عباس أن القول بمشاركة الظهر العصر، وأن آخر العصر القامتان وانفراد المغرب بوقت واحد ، وأن آخر العشاء ثلث الليل، وأن آخر الصبح الإسفار. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أمني جبريل - عليه السلام - عند البيت فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء حين غاب الشفق، والفجر حين حرم الطعام على الصائم، فلما كان من الغد صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، والعصر حين صار ظل كل شيء مثليه، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء ثلث الليل، والفجر الإسفار " .

                                                                                                                                                                                        وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أصل للقول بمنع مشاركة الظهر والعصر، وأن آخر العصر ما لم تصفر الشمس، وأن للمغرب وقتين، وآخر العشاء ما لم يذهب نصف الليل، وآخر وقت الصبح ما لم تطلع الشمس: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ، [ ص: 231 ] ووقت الصبح من طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس" .

                                                                                                                                                                                        فهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، فأبان - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الظهر: " ما لم تحضر العصر" أنه لا شركة بينهما، والأخذ بهذا الحديث أولى; لأن الحديثين إذا تعارضا أخذ بآخرهما وأقواهما سندا، وحديث ابن العاص متأخر مدني، وحديث ابن عباس مكي من أول ما فرضت الخمس، وهو أضعف سندا.

                                                                                                                                                                                        ووجه ثالث: أنه قد عاضده على مثل ذلك أبو موسى الأشعري وبريدة، فأخرج مسلم عن أبي موسى قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائل فسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا، قال: فأقام الفجر حين انشق، والظهر حين زالت الشمس، والعصر والشمس مرتفعة، والمغرب حين وقعت الشمس، والعشاء حين غاب الشفق ثم أخر الفجر من الغد وانصرف القائل يقول: طلعت الشمس أو كادت، وأقام الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس، والعصر انصرف منها والقائل يقول: احمرت الشمس، وأخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ثم العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح فدعا السائل فقال: " الوقت ما بين هذين" . وأخرج عن بريدة مثل ذلك، وأستحسن أن تكون الفتوى للعامة بالقامتين في العصر، وبالإسفار في الصبح، وثلث الليل في العشاء الآخرة ; لأنه أحوط للصلاة، وأخاف إذا أفتى الرجل [ ص: 232 ] بآخر الوقت أن يتراخى، ويقول: علي بقية من الوقت، فيقع في المحظور، وهو الممنوع أو المكروه، فإذا وكل في هذا إلى قياس معلوم وجعل بينه وبين آخر الوقت في الآخرة بقية كان قد احتاط للصلاة.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية