الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم فيمن حبس في مرضه دارا على ولده وولد ولده ثم مات والثلث يحملها، تقسم الدار على الولد الأعيان وولد الولد، فما صار لولد الولد أخذوه على وجه الحبس، وما صار لولد الأعيان دخلت فيه الزوجة والأم وقسم على فرائض الله -عز وجل- ، يريد: لأن الحبس على وارث وغير وارث، فما ناب الوارث شاركه فيه بقية الورثة، فإن كان الولد أربعة وولدهم أربعة ولم تجز الزوجة والأم الحبس قسم في الأول قسم الحبس، فما صار للورثة قسم على الميراث ودخلت فيه الزوجة والأم.

                                                                                                                                                                                        فإن مات بعد ذلك أحد هذه الطوائف الأربعة الزوجة أو الأم أو الولد الأعيان، أو ولدهم افترق الجواب، فإن ماتت أم الميت وهي جدة الولد الأعيان لم ينتقض القسم، فإن كان لها ولد غير الميت المحبس كان نصيبها لولدها، ولا ينتزع منه إلا بموت الأعيان أو بموت أحدهم.

                                                                                                                                                                                        وكذلك إن ماتت الزوجة ولا ولد لها إلا الولد الأعيان، فإنهم يأخذون نصيبها الذي كانت أخذته منهم، ولا حق لولد الولد فيه، ويكون ما في أيديهم بوجهين بميراث من قبل الأب وبميراث من قبل الأم.

                                                                                                                                                                                        وإن كان إنما مات واحد من الولد الأعيان انتقض جميع نصيبه، وقد كان صار له الثمن فيه، فينتزع من يد الزوجة والأم ما أخذتا منه، فيكمل ثمنا ثم [ ص: 3458 ] يقسم ذلك الثمن أسباعا فيأخذونه أربعة أسباع، والولد الأعيان ثلاثة أسباعه، فتأخذ الزوجة والأم منه ميراثها وهو السدس والثمن، ثم يضم الباقي إلى ما بيد الولد الأعيان، ويحيى الميت بالذكر، ويقسم أرباعا فيأخذ الولد الأعيان ثلاثة أرباعه، ويأخذ ابن الميت من الولد الأعيان فيصير ما في يده من وجهين بالحبس من جده وبالميراث من أبيه، وهكذا إن مات ثان وثالث من ولد الأعيان يجمع نصيبه في الميراث عن أبيه، فيقسم قسم الأحباس ثم قسم الميراث.

                                                                                                                                                                                        فإن مات الرابع انتزع جميع ما صار للولد الأعيان، وما في يد الزوجة والأم، وسلم ذلك لولد الولد بالحبس، وسقط القسم بالميراث، وإن كان الميت أولا واحدا من ولد الولد قسم ما كان أخذه أسباعا، فأخذ ولد الولد الثلاثة ثلاثة أسباعه، وأخذ الولد الأعيان أربعة أسباعه فيقتسمونه على الميراث عن الميت المحبس، وتدخل فيه الزوجة والأم. وقال سحنون: لا يدخلان فيه ، ورآه كمراجع الأحباس. والأول أصوب; لأنهم المحبس عليهم، وإنما يأخذون ذلك بعطية من الميت، وإنما يكون مرجع الحبس بعد انقراض من حبس عليه، وإن لم يحمل الثلث الدار ولم يجز الورثة، فما حمله الثلث منه عمل فيه حسب ما رسم الميت لو حملها الثلث; لأنه لا يصح أن يقطع بالثلث شائعا، فيحبس ما لم يقصد الميت إلى تحبيسه أو لا يحبس فتغير وصية الميت، وإنما يجمع ثلثه في الدار كالعتق إذا أوصى به فلم يحمل الثلث، فإنه [ ص: 3459 ] يجمع في غير ذلك العبد.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد فيمن حبس في مرضه داره على جميع ورثته، ولم يدخل غيرهم ولا بعدهم: فليس بحبس، ولهم إن شاءوا باعوا، وإن شاءوا حبسوا. قال مالك: وكذلك لو قال: حبس على ولدي ولم يدخل في ذلك غيرهم. وقاله ابن القاسم وأشهب ، وإنما أبطل الحبس ها هنا; لأنه وصية لوارث، فمن مات قبل كان نصيبه لمن بعده، فصار ميراث الآخر أكثر، وهذا على أحد القولين: إن الحبس المعين يرجع ميراثا، وعلى القول أنه يرجع مراجع الأحباس لا يبطل الحبس، ويصير بمنزلة من حبس على ورثته وغيرهم. [ ص: 3460 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية