الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أنواع النذر]

                                                                                                                                                                                        النذور ستة: طاعة، ومعصية، وطاعة تضمنت معصية، وطاعة ناقصة عن الوجه الذي يجوز الإتيان بها، وما ليس بطاعة ولا معصية، ونذر مبهم.

                                                                                                                                                                                        فالأول: أن ينذر صلاة أو صياما أو حجا أو عتقا أو صدقة، فيلزم الوفاء بذلك للآي والأحاديث التي تقدمت.

                                                                                                                                                                                        والثاني: أن ينذر ألا يصل رحما، وأن يشرب خمرا، أو لا يتقرب إلى الله بقربة. فهذه معصية لا يجوز الوفاء بنذرها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" . ولأن النذر لا ينقل الشيء عن أصله، فيبيح الحرام ولا يحرم الحلال، إلا أنه له أن يأتي بقربة من جنس نذر المعصية، لتكون كفارة عن تلك المعصية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال: تعال أقامرك فليتصدق" . ولهذا قيل فيمن قال: لله علي أن أنحر ولدي فليهد; لأنه نذر هدي معصية، فيؤمر أن يأتي به على وجه يكون طاعة، وإن لم يكن له مثل، فليتقرب إلى الله سبحانه بما رآه من الخير.

                                                                                                                                                                                        والثالث: أن ينذر صوم يوم الفطر أو يوم النحر وأن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فهذه طاعة تضمنت معصية من ناحية الوقت، وقد سئل ابن عمر - رضي الله عنه - عمن نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم النحر؟ فقال ابن [ ص: 1634 ] عمر - رضي الله عنه - أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم هذا اليوم .

                                                                                                                                                                                        فوقف في ذلك فلم يأمر به، ولم ينه عنه.

                                                                                                                                                                                        والناذر في هذا على ثلاثة أوجه:

                                                                                                                                                                                        فإن كان عالما بتحريم ذلك وبالنهي; لم يجب عليه الوفاء، ويستحب له أن يأتي بطاعة من جنسه، فيصوم رجاء أن تكون كفارة لنذره.

                                                                                                                                                                                        وإن كان جاهلا بتحريم ذلك، وظن أن في صومه ذلك فضلا على غيره; فقد يظن من لم يعلم بالحديث أنه لما منع نفسه من لذاتها في ذلك اليوم; أن له من الأجر أكثر من غيره، فهذا لا يجب عليه قضاء، ولا يستحب له.

                                                                                                                                                                                        وإن كان يظن أنه في جواز الصوم كغيره، ولا فضل له; كان في القضاء قولان: فقيل: لا شيء عليه، والغلبة عليه كالغلبة بالمرض. وقال عبد الملك بن الماجشون : يقضيه; لأنه لم يرد صوما له فضل على غيره، وإنما أراد صوما .

                                                                                                                                                                                        والرابع: أن ينذر أن يصلي ركعة، أو يصوم بعض يوم، أو يعتكف الليل دون النهار، أو يطوف شوطا، أو يقف بعرفة، ولا يزيد على ذلك، واختلف في هذا الأصل: فقيل: لا شيء عليه. وقيل: يأتي بمثل تلك الطاعة تامة على ما يجوز أن يؤتى به عليها. [ ص: 1635 ]

                                                                                                                                                                                        فقال ابن القاسم : إذا نذر اعتكاف ليلة أنه يعتكف يوما وليلة .

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون : لا شيء عليه . وعلى هذا يجري الجواب في الصلاة والصوم والطواف والوقوف بعرفة، فعلى قول ابن القاسم يأتي بتلك الطاعة تامة، وعلى قول سحنون لا شيء عليه. وهو أحسن; لأنه ألزم نفسه صفة وقدرا; فلا يلزمه أكثر منه، إلا أن يكون عالما بمنع ذلك، فيستحب له أن يأتي ذلك كاملا; رجاء أن يكون كفارة لتلك المعصية.

                                                                                                                                                                                        والخامس: أن ينذر أن يمشي إلى الشام ، أو يشتري عبد فلان، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية، ورده مالك في الموطأ إلى النذر في معصية، فقال: من نذر المعصية مثل أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو مصر . وتحقيق ذلك أن يقال: إن النذر معصية، وهو قوله، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية; لأنه لا يختلف أن ذلك (مما) لا يجوز أن ينذر، وهذا من التلاعب; فيستحب له أن يمشي في طاعة، أو يأتي عن تلك بطاعة وإن لم يكن مشيا أن يتصدق.

                                                                                                                                                                                        والسادس : أن ينذر نذرا مبهما لم يسم له مخرجا، فقال: علي نذر; أجزأه عن ذلك كفارة يمين بالله تعالى; لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفارة النذر كفارة اليمين" أخرجه مسلم . فعلق الحكم بأدنى الكفارات; لأن الزائد على ذلك مشكوك [ ص: 1636 ] فيه، فلا تعمر الذمة بشك، و "آلى رسول الله من نسائه شهرا، فاعتزل نساءه تسعة وعشرين" فاحتسب بأقل الشهور.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن عبد الحكم فيمن نذر صوم شهر: يجزئه أدنى الشهور; تسعة وعشرون يوما . وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أعتقت عن يمينها بالنذر أربعين رقبة . فأخذت بأعلى ما يراد من ذلك، ليس لأن ما دون ذلك غير جائز. [ ص: 1637 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية