الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          2364 حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد أنه قيل له أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي يعني الحوارى فقال سهل ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله فقيل له هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كانت لنا مناخل قيل فكيف كنتم تصنعون بالشعير قال كنا ننفخه فيطير منه ما طار ثم نثريه فنعجنه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد رواه مالك بن أنس عن أبي حازم

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله : ( أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ) أبو علي البصري ، صدوق لم يثبت أن يحيى بن معين ضعفه من التاسعة ( أخبرنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار ) مولى ابن عمر صدوق يخطئ من السابعة .

                                                                                                          قوله : ( أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد أنه قيل له : أكل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النقي ) وفي رواية البخاري عن أبي حازم قال : سألت سهل بن سعد فقلت : هل أكل رسول [ ص: 24 ] الله -صلى الله عليه وسلم- إلخ ؟ والنقي : بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء ( يعني الحوارى ) بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء وهو الذي نخل مرة بعد مرة حتى يصير نظيفا أبيض ( ما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النقي حتى لقي الله ) أي ما رآه فضلا عن أكله ، ففيه مبالغة لا تخفى . وفي رواية للبخاري : ما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله . قال الحافظ : أظن أن سهلا احترز عما قبل البعثة لكونه -صلى الله عليه وسلم- كان سافر في تلك المدة إلى الشام تاجرا ، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم والخبز النقي عندهم كثير ، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه ، فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم فأما بعد البعثة ، فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة ، ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها ، انتهى .

                                                                                                          ( هل كانت لكم مناخل ) جمع منخل ، بضم الميم وسكون النون وضم الخاء ويفتح ، وهو الغربال ( قال ما كانت لنا مناخل ) وفي رواية للبخاري : قال ما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ( قيل : كيف كنتم تصنعون بالشعير ) وفي رواية للبخاري : قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ( قال : كنا ننفخه ) بضم الفاء أي نطيره بعد الطحن إلى الهواء بأيدينا أو بأفواهنا ( فيطير منه ما طار ) أي يذهب منه ما ذهب من النخالة وما فيه خفة ( ثم نثريه ) بمثلثة وراء ثقيلة : أي نبله بالماء من ثرى التراب تثرية أي رش عليه ( فنعجنه ) . قال في القاموس : عجنه يعجنه ويعجنه فهو معجون وعجين ، اعتمد عليه بجمع كفه يغمزه كاعتجنه ، انتهى .

                                                                                                          قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه البخاري والنسائي .

                                                                                                          تنبيه : قال الطبري : استشكل بعض الناس كون النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة ، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه ، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين ، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم ، وغير ذلك مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر [ ص: 25 ] وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم ، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه . وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه ، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك .

                                                                                                          والجواب : أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة ، لا لعوز وضيق ، بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع ، ولكثرة الأكل . ذكره الحافظ في الفتح ثم قال : وما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث آنفا وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة : من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم ، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك . وتقدم في غزوة خيبر من رواية عكرمة عن عائشة ، لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر .

                                                                                                          وتقدم في كتاب الأطعمة حديث منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة : توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين شبعنا من التمر . وفي حديث ابن عمر : لما فتحت خيبر شبعنا من التمر . والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكة ، ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك ، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح . فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم ذلك واضحا في كتاب الهبة . وقريب من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- : لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولبلال طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال . أخرجه الترمذي وصححه . وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه . نعم كان -صلى الله عليه وسلم- يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له . كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة : عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، فإذا جعت تضرعت إليك ، وإذا شبعت شكرتك انتهى .




                                                                                                          الخدمات العلمية