الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
5804 - وعنه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج وفي عنقه سيف فقال لقد وجدته بحرا . متفق عليه .

التالي السابق


5804 - ( وعنه ) أي : عن أنس رضي الله عنه ( قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس ) ، أي خلقا وخلقا ، وصورة وسيرة ، ونسبا وحسبا ، ومعاشرة ومصاحبة ، ( وأجود الناس ) ، أي أكثرهم كرما وسخاوة ( وأشجع الناس ) أي : قوة وقلبا ، ويدل عليه قوله تعالى : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين على القتال ، ولذا كان يركب البغل لأنه لا يتصور معه الكر . ( ولقد فزع ) : بكسر الزاي أي خاف ( أهل المدينة ) : وفي المصابيح : فزع الناس . في شرح السنة أي : استغاثوا . يقال : فزع منه بالكسر أي خاف ، وفزع إليه أي استغاث كذا ذكره شارح له . ( ذات ليلة ) أي : حيث سمعوا أصواتا أنكروها ، ( فانطلق الناس قبل الصوت ) ، بكسر القاف وفتح الموحدة أي : إلى جانبه ( فاستقبلهم ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس راجعا إليهم حال كونه ( قد سبق الناس إلى الصوت ) أي : إلى نحوه وتحقق عدم الفزع عنده ، وأبعد الطيبي في قوله : الضمير في ( فاستقبلهم ) راجع إلى ما دل عليه الصوت الذي فزع منه أهل المدينة ، يعني القوم . قال ميرك : والظاهر أن الضمير للناس ، والمراد أنه - صلى الله عليه وسلم - سبق الناس إلى الصوت ، فلما رجع استقبل الناس الذين خرجوا نحو الصوت . قلت : بل هذا هو المتعين لقوله : ( وهو يقول : " لم تراعوا " ) ، بضم التاء والعين مجهول من الروع بمعنى الفزع والخوف ، أي : تخافوا ولم تفزعوا ، وأتى بصيغة الجحد مبالغة في النفي ، وكأنه ما وقع الروع والفزع قط ( " لم تراعوا " ) : كرره تأكيدا أو كل لخطاب قوم من عن يمينه ويساره . في شرح السنة : ويروى لن تراعوا ، والعرب تضع لم ولن موضع " لا " انتهى . فعلى هذا يكون خبرا في معنى النهي ذكره الطيبي ، والظاهر أنه على الأول من غير تأويل .

[ ص: 3712 ] يكون خبرا في معنى النهي " وأما على هذا فيكون نهيا على الحقيقة . قال التوربشتي : هو في أوثق الروايات

لن تراعوا أي : لا خوف ولا فزع فاسكنوا يقال : ريع فلان إذا فزع . ( وهو ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( على فرس لأبي طلحة عري ) : بضم فسكون ، أي : ليس عليه سرج ، نقول : ( ما عليه سرج ) : بيان وتأكيد أو احتراز من نحو : جل أو لجام ، ( وفي عنقه ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( سيف ) . أي متقلد وفي نسخة بكسر السيف أي في جيد الفرس حبل من ليف السعف ، واقتصر عليه شارح وهو بعيد جدا في المعنى ، وإن كان قريبا في المبنى ( فقال : " لقد وجدته " ) أي : الفرس ( " بحرا " ) . أي جوادا وسريع الجري ، وكان يسمى ذلك الفرس المندوب بمعنى المطلوب ، وكان بطيئا ضيق الجري ، فانقلب حاله ببركة ركوبه - صلى الله عليه وسلم - ويشبه الفرس إذا كان جوادا بالبحر لاستراحة راكبه به كراكب الماء إذا كانت الريح طيبة . ( متفق عليه ) .

قال النووي : فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جليل الصفات ، وفيه معجزة انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا ، وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق بالهلاك ، وجواز العارية ، وجواز الغزو على فرس المستعار ، واستحباب تقلد السيف في العنق ، وتبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب .




الخدمات العلمية