الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الفصل الثالث

1177 - عن عمر رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أربع [ ركعات ] قبل الظهر ، بعد الزوال ، تحسب بمثلهن في صلاة السحر ، وما من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة " ، ثم قرأ : ( يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) رواه الترمذي ، والبيهقي في " شعب الإيمان " .

التالي السابق


الفصل الثالث

1177 - ( عن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أربع " ) ، أي : من الركعات . ( " قبل الظهر ، بعد الزوال " ) : قال الطيبي : قبل الظهر صفة لأربع ، وخبره ( " تحسب بمثلهن " ) ، أي : الكائن ( " في صلاة السحر " ) ، أي : توازي أربعا في الفجر من السنة والفريضة لموافقة المصلي ، أي : بعد الزوال سائر الكائنات في الخضوع والدخور لبارئها ، فإن الشمس أعلى وأعظم منظور في الكائنات ، وعند زوالها يظهر هبوطها وانحطاطها ، وسائر ما يتفيأ بها ظلاله عن اليمين والشمائل . انتهى . يعني : ووقت الصبح مقدمة طلوعها ، وبهذا يظهر وجه المناسبة بين الطرفين ، وطريق الملاءمة بين المتماثلين ، قال مير باد شاه : لا يظهر وجه العدول عن الظاهر ، وهو حمل السحر على حقيقته ، وتشبيه هذه الأربع بأربع من صلاة الصبح إلا باعتبار كون المشبه به مشهودا بمزيد الفضل . انتهى . يعني قوله تعالى : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) ، وفيه إشارة إلى أن العدول إنما هو ليكون المشبه به أقوى ; إذ ليس التهجد أفضل من سنة الظهر ، والأظهر حمل السحر على حقيقته ، وهو السدس الأخير من الليل ، ويوجه كون المشبه به أقوى بأن العبادة فيه أشق وأتعب والحمل على الحقيقة مهما أمكن فهو أولى وأحسن ، ولذا قال ابن حجر : أي تعدل في الفضل أربعا مماثلة لهن من جملة صلاة السحر المشهود لها بالفضل الأعظم ، ثم قال صلى الله عليه وسلم كالدليل على المدعى . ( " وما من شيء إلا وهو يسبح الله " ) ، أي : ينزهه عن الزوال ; لأنه موصوف بالكمال لم يزل ولا يزال ( " تلك الساعة " ) : بالنصب ، أي حين زوال الشمس عن كمال صعودها .

قال ابن حجر ، أي : ينزهه تنزيها خاصا تلك الساعة ، فلا ينافي قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) المقتضي لكونه كذلك في سائر الأوقات ، والتسبيح في الآيتين بلسان القال والحال . ( ثم قرأ ) ، أي : النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عمر ( يتفيأ ) بالتذكير ، وأنثه البصري ، أي : يتميل ويدور ويرجع ( ظلاله ) ، أي ظلال كل شيء ( عن اليمين ) : أريد به الجنس ( والشمائل ) : فيه تفنن ، أي : يمين كل شيء وشماله ( سجدا ) ، أي : ساجدين منقادين ( لله ) : حال ( وهم ) ، أي : الخلق المعبر عنه بما من شيء ، وفيه تغليب العقلاء ( داخرون ) ، أي : صاغرون أذلاء خاضعون ، حال أخرى متداخلة أو مترادفة ، وهي أولى لحصولها في جميع الأوقات وسائر الأحوال .

[ ص: 897 ] قال الطيبي : ومعنى الآية : أولم يروا ، أي بالغيبة والخطاب ، إلى ما خلق الله من شيء ، أي : من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها ، كيف تنقاد لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها من التفيؤ ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضا منقادة صاغرة ، والشمس وإن كانت أعظم وأعلى منظور في هذا العالم إلا أنها عند الزوال يظهر هبوطها وانحطاطها ، وأنها آيلة إلى الفناء والذهاب ، ولذا قال سيد الموحدين : ( لا أحب الآفلين ) ، فأشار - عليه السلام - أن المصلي حينئذ موافق لسائر الكائنات في الخضوع لخالقها ، فهو وقت خضوع وافتقار ، فساوى وقت السحر الذي هو وقت تجلي الحق وغفلة الخلق ومحل استغفار . ( رواه الترمذي ) ، أي ( و ) رواه ( البيهقي في شعب الإيمان ) .




الخدمات العلمية