الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله عز وجل ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 364 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير [سورة القلم]

وهي مكية، ولا خلاف فيها بين أحد من أهل التأويل.

قوله عز وجل:

ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم

"ن" حرف مقطع في قول جمهور المفسرين، فيدخله من الاختلاف ما يدخل أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال ابن عباس ومجاهد : "ن" اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروى، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك : "ن" اسم للدواة، فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب أو تكون لفظة أعجمية، قال الشاعر:


إذا ما الشوق برح بي إليهم .. ألقت النون بالدمع السجوم



فمن قال بأنه اسم الحوت جعل "القلم" القلم الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب الكائنات، وجعل الضمير في "يسطرون" للملائكة، ومن قال بأن"ن" اسم للدواة جعل "القلم" هو المتعارف بأيدي الناس، نص ذلك ابن عباس ، وجعل الضمير في [ ص: 365 ] يسطرون للناس، فجاء القسم -على هذا- بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخو اللسان ومطية الفطنة ونعمة من الله تعالى عامة، وروى معاوية بن قرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ن لوح من نور"، وقال ابن عباس أيضا وغيره: "ن" حرف من حروف الرحمن، وقالوا: إنه تقطع في القرآن إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقرأ عيسى بن عمر بخلاف-: "نون" بالنصب، والمعنى: اذكر نون، وهذا يقوى مع أن يكون اسما للسورة، فهو مؤنث سمي به مؤنث، ففيه تأنيث وتعريف ولذلك لم ينصرف، وانصرف "نوح" لأن الخفة بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على علة العجمة، وقرأ ابن عباس ، وابن أبي إسحاق ، والحسن : "نون" بكسر النون، وهذا كما تقول في القسم: الله، وكما قالوا: "جير"، وقيل: كسرت لاجتماع الساكنين، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، وحفص عن عاصم : "نون" بسكون النون، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه، وقرأ قوم منهم الكسائي : "ن والقلم" بالإدغام دون غنة، وقرأ آخرون بإدغام وبغنة، وقرأ الكسائي ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار، و"يسطرون" معناه: يكتبون سطورا، فإن أراد الله تعالى الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به، وإن أراد تعالى بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها.

وقوله تعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون هو جواب القسم، و"ما" هاهنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي متى دخلت الباء في الخبر، وقوله تعالى: "بنعمة ربك" اعتراض، كما تقول لإنسان: أنت -بحمد الله- فاضل.

وسبب هذه الآية أن قريشا رمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، وهو ستر العقل، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى الله تعالى ذلك عنه، وأخبره بأن له الأجر، وبأنه على الخلق العظيم تشريفا له ومدحا.

[ ص: 366 ] واختلف الناس في معنى "ممنون"، فقال أكثر المفسرين: هو الواهن المنقطع، يقال: "حبل ممنون"، أي: ضعيف، وقال آخرون: معناه: غير ممنون عليك، أي: لا يكدره من به، وقال مجاهد : معناه: غير مسرد ولا محسوب محصل، أي: بغير حساب، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "خلقه القرآن" أى آدابه وأوامره، وقال علي رضي الله عنه : الخلق العظيم أدب القرآن، وعبر ابن عباس رضي الله عنهما عن الخلق بالدين والشرع، وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، أما إن الظاهر من الآية أن الخلق هو الذي يضاد مقصد الكفار في قولهم: "مجنون" أي: غير محصل لما يقول، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقال جنيد: "سمي خلقه عظيما إذ لم يكن له همة سوى الله تعالى، عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق"، وفي وصية بعض الحكماء" "عليك بالتخلق مع الخلق، وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار"، وقال: "ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن"، [ ص: 367 ] وقال: "أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا"، والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق.

وقوله تعالى: "فستبصر" أي: أنت وأمتك، و"يبصرون" أي: هم، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: "بأييكم المفتون" فقال أبو عثمان المازني: الكلام تام في قوله تعالى: "ويبصرون"، ثم استأنف قوله تعالى: "بأييكم المفتون"، وقال الأخفش : بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها، في معناها، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر ، وقتادة : هي زائدة، والمعنى: أيكم المفتون؟ وقال الحسن، والضحاك : "المفتون" بمعنى الفتنة، كما قالوا: "ما له معقول" أي: عقل، وكما قالوا: "اقبل ميسوره ودع معسوره"، فالمعنى: بأيكم هي الفتنة والفساد الذي سموه جنونا؟ وقال آخرون: المعنى: بأيكم فتن المفتون؟ وقال الأخفش ، المعنى: بأيكم فتنة المفتون؟ ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال مجاهد ، والفراء : الباء بمعنى "في" أي: في أي فريق منكم النوع المفتون؟ وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفا بمعنى حرف، بل نقول: إن هذا المعنى يتوصل إليه بـ "في" وبالباء أيضا. وقرأ ابن أبى عبلة: "في أيكم المفتون" .

[ ص: 368 ] وقوله تعالى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله الآية، وعيد، والعامل في قوله سبحانه: بمن ضل هو "أعلم"، وقد قواه حرف الجر فلا يحتاج إلى إضمار فعل، وقوله تعالى: فلا تطع المكذبين يريد قريشا، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه، وودوا أن يداهنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا فيميلوا هم أيضا إلى قوله ودينه، و"الادهان": الملاينة فيما لا يحل، والمداراة: الملاينة فيما يحل، وقوله تعالى: "فيدهنون" معطوف وليس بجواب; لأنه كان لنصب.

و"الحلاف": المردد لحلفه الذي قد كثر منه، و"المهين": الضعيف العقل والرأي، قاله مجاهد وهو من "مهن" إذا ضعف، والميم فاء الفعل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المهين: الكذاب.

و"الهماز": الذي يقع في الناس، وأصل الهمز في اللغة الضرب طعنا باليد أو بالعصا أو نحوه، ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال منذر: وبعينه وإشارته، وسميت الهمزة لأن في النطق بها حدة وعجلة فشبهت بالهمز باليد، وقيل لبعض الأعراب: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرة تهمزها، وقيل لآخر: أتهمز إسرائيل؟ فقال: إني إذا لرجل سوء.

و"النميم" مصدر كالنميمة، وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس، وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة: بل نزلت في معين، واختلف فيه، فقال بعضهم: هو الوليد بن المغيرة ، ويؤيد ذلك غناه وأنه أشهرهم بالمال والبنين، وقال الشعبي وغيره: هو الأخنس بن شريق، ويؤيد ذلك أنه كانت له هنة في حلقه كزنمة الشاة، وأيضا فكان من ثقيف ملصقا في قريش، وقال [ ص: 369 ] ابن عباس في كتاب الثعلبي : هو أبو جهل، وذكر النقاش عتبة بن ربيعة، وقال مجاهد : هو الأسود بن عبد يغوث، وظاهر اللفظة عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمان لا سيما لولاة الأمور.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث