الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا

جزء التالي صفحة
السابق

ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154 ) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155 ) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156 ) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157 ) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة [ ص: 1235 ] أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158 )

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون
(159 ) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (160 ) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161 ) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162 ) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163 )

قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
(164 ) وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه .لغفور رحيم (165 )

لم ينقطع تدفق السياق في الموضوع الأساسي الذي يعالجه شطر السورة الأخير - وهو موضوع الحاكمية والتشريع وعلاقتهما بالدين والعقيدة - وهذا الشوط الجديد هو امتداد في العرض ، وامتداد في الحشد ، لتقرير هذه الحقيقة .

وهو يتحدث عن المبادئ الأساسية في العقيدة - بصدد التشريع والحاكمية - كما كان الشطر الأول من السورة يتحدث عن هذه المبادئ في صدد قضية الدين والعقيدة . ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة . وعلى ذات المستوى الذي يعرض به المنهج القرآني هذه الحقيقة . ومما يلاحظ أن السياق يستخدم في شطر السورة الثاني ذات المؤثرات والموحيات والمشاهد والتعبيرات التي حشدها في الشطر الأول منها :

يتحدث عن الكتب والرسل والوحي والآيات التي يطلبونها .

ويتحدث عن الدمار والهلاك الذي يعقب وقوع الآيات والتكذيب بها .

ويتحدث عن الآخرة وقواعد الدينونة والجزاء فيها .

ويتحدث عن المفاصلة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يعدلون بربهم ويتخذون من دونه أربابا يشرعون لهم . ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلان حقيقة دينه جلية واضحة حاسمة .

ويتحدث عن الربوبية الواحدة للعالمين جميعا ، والتي لا يجوز أن يتخذ المؤمن من دونها ربوبية أخرى .

[ ص: 1236 ] ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء ، وتصريفها لكل شيء ، وعن استخلاف الله للناس كيف شاء ، وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عند ما يشاء .

وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق ، والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل . محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق . . ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني .

يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى . . وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط الله المستقيم : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم . وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام ; وقد أعطاه الله كتابا فصل فيه كل شيء ، وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء الله في الآخرة : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ، وتفصيلا لكل شيء ، وهدى ورحمة ، لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون .

ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك ، الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى ، المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها ، رجاء أن ينال الناس - حين يتبعونها - رحمة الله في الدنيا والآخرة : وهذا كتاب أنزلناه مبارك ، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون . .

ولقد نزل هذا الكتاب قطعا لحجة العرب ، كي لا يقولوا : إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى ; ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم ، فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم ، ويقطع هذه الحجة عليهم ، فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليم : أن تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . وإن كنا عن دراستهم لغافلين . أو تقولوا : لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم . . . فقد جاءكم بينة من ربكم ، وهدى ورحمة ، فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها؟ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون . .

لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب ; ولكنهم ما يزالون يشركون بالله ; ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة الله ، بينما كتاب الله قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه . وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه . ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا . قل : انتظروا إنا منتظرون .

وعند هذا الحد يفصل الله - سبحانه - بين نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسائر الملل المتفرقة التي لا تقوم على توحيد الله عقيدة وشريعة . ويقرر أن أمرهم إليه - سبحانه وتعالى - وأنه هو محاسبهم ومجازيهم وفق عدله ورحمته : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون . من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون .

وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع - وهو الإيقاع الأخير في السورة - في تسبيحة ندية رخية ، حازمة كذلك حاسمة ، تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين : التوحيد المطلق ، والعبودية الخالصة ، [ ص: 1237 ] وجدية الآخرة ، وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا . وسلطان الله المتمثل في ربوبيته لكل شيء ; وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب . . كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية ، وهي تتجلى في أخلص قلب ، وأصفى قلب ، وأطهر قلب . . قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلا التعبير القرآني ذاته : قل : إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم . دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين . قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . قل : أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم ، إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم . .

ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل ، لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث