الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 1392 ] 273 - فصل

                          [ بيان معنى الكبت ] .

                          الدليل الثامن : قوله تعالى : ( إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ) والكبت : الإذلال والخزي والتصريع على الوجه .

                          قال النضر وابن قتيبة : هو الغيظ والحزن .

                          وقال أهل التفسير : كبتوا أهلكوا وأخزوا وحزنوا ، وإذا كان المحاد مكبوتا فلو كان آمنا على نفسه وماله لم يكن مكبوتا بل مسرورا جذلا يشفي صدره من الله ورسوله آمنا على دمه وماله ، فأين الكبت إذن ؟

                          [ ص: 1393 ] ويدل عليه قوله : ( كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ) فخوفهم بكبت نظير كبت من قبلهم ، وهو الإهلاك من عنده أو بأيدي عباده وأوليائه .

                          وقوله : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) عقيب قوله : ( إن الذين يحادون الله ورسوله ) دليل على أن [ المحادة ] مغالبة ومعاداة حتى يكون أحد المحادين غالبا ، وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم ، فعلم أن المحاد ليس بمسالم فلا يكون له أمان مع المحادة ، وقد جرت سنة الله سبحانه أن الغلبة لرسله بالحجة والقهر ، فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه ، ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه .

                          يوضحه أن المحادة مشاقة ؛ لأنها من الحد والفصل والبينونة ، وكذلك المشاقة من الشق ، وكذلك المعاداة من العدوة وهي الجانب ، يكون أحد العدوين في شق وجانب وحد ، وعدوه الآخر في غيرها ، والمعنى في ذلك كله معنى المقاطعة والمفاصلة ، وذلك لا يكون إلا مع انقطاع الحبل الذي بيننا وبين أهل العهد لا يكون مع اتصال الحبل أبدا .

                          يوضحه أن الحبل وصلة وسبب ، فلا يجامع المفاصلة والمباينة .

                          وأيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فقد قال تعالى : [ ص: 1394 ] ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن [ يشاقق ] الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) فأمر بضرب أعناقهم ، وعلل ذلك بمشاقتهم [ ومحادتهم ] وكل من فعل ذلك وجب أن يضرب عنقه ، وهذا دليل تاسع في المسألة .

                          وترتيبه هكذا : هذا مشاق لله ورسوله ، والمشاق لله ورسوله مستحق ضرب العنق ، وقد تبينت صحة المقدمتين .

                          ونظير هذا الاستدلال قوله تعالى : ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ) والتعذيب في الدنيا هو القتال والإهلاك ، ثم علل ذلك بالمشاقة ، وأخر عنهم ذلك التعذيب لما سبق من كتابة الجلاء عليهم ، فمن وجدت منه المشاقة من غيرهم ممن لم يكتب عليه الجلاء استحق عذاب الدنيا الذي أخره عن أولئك ، وهذا دليل عاشر في المسألة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية