الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        ومثال ما يقع في النفس :

                        ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع ، والتمثيل ، والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود ، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى ـ في زعمهم ـ والفوز بالنعيم الأكمل ، بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ، ومبني على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالهم . حكى المسعودي وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك .

                        وقد وقع القتل في العرب الجاهلية ولكن على غير هذه الجهة ، وهو قتل الأولاد لشيئين :

                        أحدهما خوف الإملاق .

                        والآخر دفع العار الذي كان لاحقا لهم بولادة الإناث .

                        حتى أنزل الله في ذلك قوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ، وقوله تعالى : وإذا الموءودة سئلت . [ ص: 521 ] بأي ذنب قتلت . وقوله : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا الآية .

                        وهذا القتل محتمل أن يكون دينا وشرعة ابتدعوها ، ويحتمل أن يكون عادة تعودوها ، بحيث لم يتخذوها شرعة ، إلا أن الله تعالى ذمهم عليها فلا يحكم عليها بالبدعة بل بمجرد المعصية ، فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا يكون هو الأولى في حمل الآيات عليه ؟ فوجدنا قوله سبحانه وتعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم فإن الآية صرحت أن لهذا التزيين سببين :

                        أحدهما الإرداء وهو الإهلاك .

                        والآخر لبس الدين ، وهو قوله : وليلبسوا عليهم دينهم ولا يكون ذلك إلا بتغييره وتبديله أو الزيادة فيه أو النقصان منه ، وهو الابتداع بلا إشكال ، وإنما كان دينهم أولا دين أبيهم ( إبراهيم ) فصار ذلك من جملة ما بدلوا فيه ، كالبحيرة والسائبة ونصب الأصنام وغيرها ، حتى عد من جملة دينهم الذي يدينون به .

                        ويعضده قوله تعالى بعد : فذرهم وما يفترون فنسبهم إلى الافتراء ـ كما ترى ـ والعصيان من حيث هو عصيان لا يكون افتراء ، وإنما يقع الافتراء في نفس التشريع في أن هذا القتل من جملة ما جاء من الدين . [ ص: 522 ] ولذلك قال تعالى على إثر ذلك : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا فجعل قتل الأولاد مع تحريم ما أحل الله من جملة الافتراء ، ثم ختم بقوله : ( قد ضلوا ) وهذه خاصية البدعة ـ كما تقدم ـ فإذا ما فعلت الهند نحو ما فعلت الجاهلية ، وسيأتي مذهب المهدي المغربي في شرعية القتل .

                        على أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم أنه قتل الأولاد على جهة النذر والتقرب به إلى الله ، كما فعل عبد المطلب في ابنه عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم .

                        وهذا القتل قد يشكل ، إذ يقال لعل ذلك من جملة ما اقتدوا فيه بأبيهم إبراهيم عليه السلام ، لأن الله أمره بذبح ابنه ، فلا يكون ذلك اختراعا وافتراء لرجوعها إلى أصل صحيح وهو عمل أبيهم عليه السلام ، وإن صح هذا القول وتؤول فعل إبراهيم عليه السلام على أنه لم يكن شريعة لمن بعده من طريقته فوجه اختراعه دينا ظاهر ، لا سيما عند عروض شبهة الذبح ، وهو شأن أهل البدع ، إذ لا بد لهم من شبهة يتعلقون بها ـ كما تقدم التنبيه عليه .

                        وكون ما تفعل أهل الهند من هذا القبيل ظاهر جدا .

                        ويجري مجرى إتلاف النفس إتلاف بعضها ، كقطع عضو من الأعضاء ، أو تعطيل منفعة من منافعه بقصد التقرب إلى الله بذلك ، فهو من جملة البدع ، وعليه يدل الحديث حيث قال :

                        رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل [ ص: 523 ] على عثمان بن مظعون ولو أذن له لاختصينا ، فالخصاء بقصد التبتل وترك الاشتغال بملابسة النساء واكتساب الأهل والولد مردود مذموم ، وصاحبه معتد غير محبوب عند الله ، حسبما نبه قوله تعالى : ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكذلك فقء العين لئلا ينظر إلى ما لا يحل له .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية