الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        [ ص: 101 ] البحث الخامس : في العلاقة بين الحقيقة والمجاز .

                        إنه لا بد من العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة .

                        والعلاقة : هي اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له ، وذلك الاتصال إما باعتبار الصورة ، كما في المجاز المرسل ، أو باعتبار المعنى ، كما في الاستعارة ، وعلاقتها المشابهة ، وهي : الاشتراك في معنى مطلقا ، لكن يجب أن تكون ظاهرة الثبوت لمحله ، والانتفاء عن غيره ، كالأسد للرجل الشجاع ، لا الأبخر .

                        والمراد : الاشتراك في الكيف ، فيندرج تحت مطلق العلاقة المشاكلة الكلامية ، كإطلاق الإنسان على الصورة المنقوشة ، ويندرج تحتها أيضا المطابقة والمناسبة ، والتضاد المنزل منزلة التناسب لتهكم نحو : فبشرهم بعذاب أليم فهذا الاتصال المعنوي .

                        وأما الاتصال الصوري : فهو إما في اللفظ ، وذلك في المجاز بالزيادة والنقصان ، وفي المشاكلة البديعية ، وهي الصحبة الحقيقية أو التقديرية .

                        وقد تكون العلاقة باعتبار ما مضى ، وهو الكون عليه كاليتيم للبالغ ، أو باعتبار المستقبل ، وهو الأول إليه كالخمر للعصير ، أو باعتبار الكلية والجزئية ، كالركوع في الصلاة واليد فيما وراء الرسغ ، والحالية والمحلية ، كاليد في القدرة ، والسببية والمسببية ، والإطلاق ، والتقييد ، واللزوم ، والمجاورة ، والظرفية ، والمظروفية ، والبدلية ، والشرطية ، والمشروطية والضدية .

                        ومن العلاقات : إطلاق المصدر على الفاعل أو المفعول ، كالعلم في العالم أو المعلوم .

                        ومنها : تسمية إمكان الشيء باسم وجوده ، كما يقال للخمر التي في الدن : إنها مسكرة .

                        ومنها : إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه .

                        وقد جعل بعضهم في إطلاق اسم السبب على المسبب أربعة أنواع : القابل ، والصورة ، والفاعل ، والغاية ، أي تسمية الشيء باسم قابله نحو : سال الوادي ، وتسمية الشيء باسم صورته ، كتسمية القدرة باليد ، وتسمية الشيء باسم فاعله حقيقة أو ظنا كتسمية [ ص: 102 ] المطر بالسماء ، والنبات بالغيث ، وتسمية الشيء باسم غايته ، كتسمية العنب بالخمر .

                        وفي إطلاق اسم المسبب على السبب أربعة أنواع على العكس من هذه المذكورة قبل هذا .

                        وعد بعضهم من العلاقات الحلول في محل واحد ، كالحياة في الإيمان والعلم ، وكالموت في ضدهما ، والحلول في محلين متقاربين ، كرضا الله في رضا رسوله ، والحلول في حيزين متقاربين ، كالبيت في الحرم ، كما في قوله : فيه آيات بينات مقام إبراهيم .

                        وهذه الأنواع راجعة إلى علاقة الحالية والمحلية ، كما أن الأنواع السابقة مندرجة تحت علاقة السببية والمسببية ، فما ذكرناه هاهنا مجموعه أكثر من ثلاثين علاقة .

                        وعد بعضهم من العلاقات ما لا تعلق له بالمقام كحذف المضاف نحو واسأل القرية يعني أهلها ، وحذف المضاف إليه نحو : أنا ابن جلا ، أي : أنا ابن رجل جلا .

                        والنكرة في الإثبات إذا جعلت للعموم نحو : علمت نفس ما أحضرت أي : كل نفس ، والمعرف باللام إذا أريد به الواحد المنكر نحو : ادخلوا عليهم الباب أي : بابا من أبوابها ، والحذف نحو : يبين الله لكم أن تضلوا أي : كراهة أن تضلوا ، والزيادة كقوله تعالى : ليس كمثله شيء .

                        ولو كانت هذه معتبرة لكانت العلاقات نحو أربعين علاقة ، لا كما قال بعضهم : إنها لا تزيد على إحدى عشرة .

                        وقال آخر : لا تزيد على عشرين .

                        [ ص: 103 ] وقال آخر : لا تزيد عن خمس وعشرين . فتدبر .

                        واعلم أنه لا يشترط النقل في آحاد المجاز ، بل العلاقة كافية ، والمعتبر نوعها ، ولو كان نقل آحاد المجاز معتبرا ; لتوقف أهل العربية في التجوز على النقل ، ولوقعت منهم التخطئة لمن استعمل غير المسموع من المجازات ، وليس كذلك بالاستقراء . ولذلك لم يدونوا المجازات كالحقائق .

                        وأيضا لو كان نقليا لاستغنى عن النظر في العلاقة ، لكفاية النقل .

                        وإلى عدم اشتراط نقل آحاد المجاز ذهب الجمهور ، وهو الحق ، ولم يأت من اشترط ذلك بحجة تصلح لذكرها ، وتستدعي التعرض لدفعها .

                        وكل من له علم وفهم يعلم أن أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازات عند وجود العلاقة ومع نصب القرينة ، وهكذا من جاء بعدهم من أهل البلاغة في فني النظم والنثر ، ويتمادحون باختراع الشيء الغريب من المجازات عند وجود المصحح للتجوز ، ولم يسمع عن واحد منهم خلاف هذا .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية