الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولا تتمنوا ما فضل الله به

ولا تتمنوا ما فضل الله به

ولا تتمنوا ما فضل الله به

خلق سبحانه عباده ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فالبلاء والابتلاء من السنن التي أقام الله عليها هذه الحياة، وحياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها ابتلاء بالخير، أو ابتلاء بالشر، قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (الأنبياء:35).

ومن مظاهر هذا الابتلاء، أن خلق سبحانه عباده على درجات متفاوتة، وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛ فجعل منهم الغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، والصحيح والسقيم، والسعيد والشقي.

ولعلم الله سبحانه بطبيعة النفس البشرية، وأنها تتطلع وتتشوف لما يكون عليه الآخرين من خيرية وأفضلية، فقد طلب سبحانه من عباده أن لا يطاوعوا النفس فيما تشتهي وتتمنى، فنهاهم سبحانه عن تمني ما بأيدي الآخرين من خير وفضل، فقال سبحانه: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله} (النساء:32).

وتخبرنا كتب التفسير وأسباب النـزول بعدة روايات، نزلت بسببها هذه الآية؛ من ذلك ما رواه مجاهد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث ! فنـزلت: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}، ونزل أيضًا: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} (الأحزاب:35)، رواه الترمذي.

وعن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا نبي الله! للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة ؟ فأنزل الله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}. رواه ابن أبي حاتم.

وروى الواحدي عن عكرمة، أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنُصِيبُ من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}.

وروى الواحدي أيضًا عن قتادة والسدي؛ أنه لما نزل قوله سبحانه: {للذكر مثل حظ الأنثيين} (النساء:11)، قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء؛ وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}.

هذا حاصل ما نزل من أسباب نزول هذه الآية؛ وهي في مجموعها تدل على أن الآية وردت بسبب تمني بعض النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، من جهاد وغيره.

وعلى ضوء أسباب النـزول لهذه الآية لكريمة، فقد قال المفسرون في معناها ما يفيد نهي المؤمنين أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال، ولا يتمنى الفقير وذو الحاجة، ما لدى الغني من مال وجاه؛ لأن هذا هو الحسد بعينه، وهو أن تتمنى لنفسك النعمة التي أنعم الله بها على غيرك، وأن تتمنى في الوقت نفسه زوالها عنه. وإنما نهى الشرع عن هذا السلوك، وذمه غاية الذم؛ لأنه يقتضي السخط على ما قسمه الله للإنسان، ولأنه أيضًا يتضمن الركون إلى الكسل والدعة، والتمني على الله الأماني، التي لا يقترن بها عمل ولا سعي، وقد قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} (المُلك:15). وإنما المحمود والمطلوب أمران؛ الأول: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه في الدنيا والآخرة؛ والثاني: أن يسأل الله من فضله، فلا يتكل على نفسه، ولا يعتمد على غيره، وإنما يفوض أمره إلى الله، فهو حسبه، وهو كافيه.

وهذا هو الذي أرشدت إليه الآية في شطرها الثاني، حيث فتحت الباب واسعًا أمام العباد، ليطلبوا من فضل ربهم الذي لا ينفد، ومن عطائه الذي لا ينتهي، فقال تعالى: {واسألوا الله من فضله}.

وإذا أجلنا الطرف في واقع المسلمين اليوم، لنرى مقدار تمثلهم لهذه الآية، وجدنا واقع بعضهم بعيدًا كل البعد، عما نهت عنه هذه الآية، وعما أرشدت إليه؛ فأصبحنا نرى هؤلاء البعض {يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} (النساء:54)، وأصبح لسان حال هذا البعض يقول: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} (القصص:79)، وأصبح الرضا بما قسم الله أمرًا عزيزًا، وحالة نادرة في واقع هذا البعض من المسلمين.

والأمر الذي يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن النهي الوارد في الآية الكريمة، إنما يتعلق بما يكون من زخرف الحياة الدنيا وزينتها، كالأموال والجاه والقصور الفاخرة، والمراكب الفارهة، والنساء الجميلات؛ أما تمني ما عند الغير من أمور الآخرة، كتمني الإنسان أن يكون على درجة من العلم الشرعي، كدرجة أهل العلم، أو أن يكون على طاعة، كطاعات أهل القربات، ونحو ذلك من أمور العبادات، فهذا أمر لا يدخل في النهي، بل هو أمر مطلوب، ومسلك محمود؛ يرشد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها)، متفق عليه؛ وفي رواية ثانية: (لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب، فقام به آناء الليل وآناء النهار؛ ورجل آتاه الله مالاً فتصدق به آناء الليل وآناء النهار)، متفق عليه. وليس (الحسد) في الحديث هو الحسد المذموم، والذي هو تمني زوال النعمة عن الغير، وإنما هو حسد (الغبطة) وهو أن يتمنى الإنسان أن يحصل له ما هو حاصل لغيره من نعمة، من غير أن يتمنى زوال تلك النعمة عن الغير.

وأخيرًا، فإن على المسلم الحق، أن يعلم علم اليقين، أن التفضيل بين العباد قسمة من الله سبحانه، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح لهم من هذا الأمر، أو ذاك، وما يدري الإنسان الخير له، فيمَ يكون ؟ أفي الفقر أم في الغنى، وفي البسط في الرزق أم في المنع منه، وقد قال سبحانه: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} (الشورى:27). فعلى كل مسلم أن يرضى بما قسم الله له، وأن يعلم أن المصلحة فيما قسم الله للإنسان، والمفسدة فيما كان خلاف ذلك، ولا ينبغي للمسلم، أن يحسد أخاه المسلم على ما أتاه الله من فضله، وليسأل الله من فضله العظيم؛ وقد كان ابن سيرين إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا، قال: قد نهاكم الله عن هذا: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}، ودلكم على ما هو خير منه: {واسألوا الله من فضله}.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة