الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فأينما تولوا فثمَّ وجه الله

فأينما تولوا فثمَّ وجه الله

فأينما تولوا فثمَّ وجه الله

العبادات في الإسلام -وكذلك المعاملات وسائر تصرفات الإنسان- ليست خاضعة لرغبات الإنسان وأهوائه وشهواته، بل هي منضبطة بسنن الشرع وأحكامه. ومن أهم العبادات التي شرعها الله لعباده عبادة الصلاة. وقد نزل في شأن الصلاة آيات عديدة في القرآن الكريم، منها قوله سبحانه: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه} (البقرة:115)، فالآية تختص بأمر الصلاة، وترشد العباد إلى أن يتوجهوا في عبادتهم إلى ربهم حيثما كانوا.

ومن المعروف أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، وهذه الآية الكريمة قد يُفهم منها عدم اعتبار هذا الشرط؛ وذلك أنها نصت على أن أي جهة يتوجه إليها العبد تصح معها صلاته. فهل الأمر كذلك؟ هذا ما نسعى للوقوف عليه، من خلال التعرف على سبب نزول هذه الآية الكريمة.

ورد في سبب نزول هذه الآية جملة من الروايات، نستطلعها فيما يأتي؛ لنستبين مدلول الآية والمراد منها.

الرواية الأولى: روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، وكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله: {فولوا وجوهكم شطره} (البقرة:144)، فارتاب في ذلك اليهود، قالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} (البقرة:142)، فأنزل الله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} (البقرة:115). قال السيوطي: إسناده قوي. والمعنى أيضاً يساعده فليُعتمد. وأصل الحديث في "الصحيحين".

الرواية الثانية: روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوعاً، أينما توجهت به، وهو جاءٍ من مكة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر رضي الله عنهما هذه الآية: {ولله المشرق والمغرب}، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: ففي هذا أنزلت هذه الآية. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأصل الحديث عند مسلم ، لكن ليس فيه نص على أن الآية نزلت في هذا الخصوص.

وقد أخرج الحاكم نحو حديث الترمذي، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، هذا أصح ما ورد في الآية إسناداً، وقد اعتمده جماعة، لكنه ليس فيه تصريح بذكر السبب، بل قال: أنزلت في كذا.

الرواية الثالثة: روى الترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا، ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {فأينما تولوا فثم وجه الله}، قال الترمذي: حديث غريب، وقال أخرى: ليس إسناده بذاك.

وفي رواية ثانية عند الدار قطني عن جابر رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي ها هنا قِبَلَ الشمال، فصلوا، وخطوا خطاً، وقال بعضنا: القبلة ها هنا قِبَلَ الجنوب، وخطوا خطاً، فلما أصبحوا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا، سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسكت، وأنزل الله سبحانه: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه}.

وفي رواية ثالثة عند ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا، ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس، أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاءوا إلى رسول الله حدثوه. فأنزل الله هذه الآية. قال ابن كثير بعد أن ساق هذه الروايات الثلاث: هذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضاً.

الرواية الرابعة: أخرج الطبري عن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن أخا لكم قد مات -يعني النجاشي- فصلوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! فنزلت: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} (آل عمران:199)، قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}. قال ابن كثير: هذا غريب. وقال السيوطي: غريب جداً.

الرواية الخامسة: أخرج الطبري أيضاً عن مجاهد، قال: لما نزلت: {ادعوني أستجب لكم} (غافر:60)، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فأينما تولوا فثم وجه الله}.

وظاهرٌ، أن مضمون هذه الروايات يحمل قدراً لا بأس به من الاختلاف من جهة المضمون، ومن ثم كان المعول عليه في هذا الشأن ما صح منها، وهما الروايتان الأولى والثانية، وهما أيضاً مختلفتان مضموناً، فالرواية الأولى تفيد أن سبب النزول ما كان من أمر تحويل القبلة شطر البيت الحرام، وموقف يهود من هذا التحول، في حين أن الرواية الثانية تدل على الرخصة في أمر استقبال القبلة في أثناء السفر، حيثما تيسر الاستقبال.

وإذا كانت الرواية الأولى تتعلق بموقف يهود من تحويل القبلة، وتفيد وجوب استقبال بيت الله الحرام في أثناء الصلاة عموماً، فإن الرواية الثانية تزيد الأمر تفصيلاً، فتبين أن استقبال القبلة ليس شرطاً لصحة الصلاة في أثناء السفر.

وإذا كانت هذه الروايات قد أفادت بأن استقبال القبلة في أثناء السفر ليس شرطاً لصحة الصلاة، فإن ثمة نصوص أُخر تفيد أن استقبال القبلة إنما يسقط في أثناء السفر في صلاة النافلة فحسب؛ تيسيراً وترخيصاً للمسافر، أما صلاة الفريضة فلا بد لصحتها من استقبال جهة القبلة. وأن المسلم إذا أراد أداء الفريضة في سفر أو حضر، وجهل جهة القبلة، فإن عليه أن يتحرى جهتها قدر المستطاع، ويصلي بحسب ما أداه إليه ذلك التحري.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة