الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الدراسة في مركز تعليمي مختلط

السؤال

أنا طالبة في آخر سنة في الثانوية العامة، ويوجد في مصر نظام غريب بعض الشيء؛ بحيث لا يذهب الطلاب للمدارس خلال العام الدراسي -لأن المدرسين لا ينتظمون, أو لا يهتمون بالتدريس- وإنما يعتمدون اعتمادًا أساسيًا على الدروس الخصوصية في كل المواد بلا استثناء - ندرس 5 مواد تقريبًا -, والشائع أن تلك الدروس تكون في مراكز خاصة بها، ولا يُفصل فيها بين البنين والبنات إلا نادرًا عن طريق بعض المدرسين الملتزمين القليلين جدًّا, لكني - بفضل الله - استطعت إيجاد مكان لتدريس أربع مواد غير مختلط في مركز قريب من بيتي, ومشكلتي هي أني لم أجد درسًا غير مختلط في أهم وأصعب مادة - وهي الفيزياء - وأعرف مدرسًا ملتزمًا, ولكنه لا يفصل بين البنين والبنات في المركز القريب من بيتي- بحجة ضيق الوقت - ولكنه يفصل في مركز آخر يبعد حوالي 30-40 دقيقة عن بيتي بالسيارة, وإن كان الأمر بيدي لذهبت للمركز البعيد, ولكن المشكلة الأساسية هي أن أبي يرفض وبشدة أن تكون دروسي بعيدة عن البيت، أي: أنه يجب أن أذهب لكل الدروس مشيًا؛ لأنه يرفض فكرة سيارات الأجرة.
فكرت في حلول كثيرة وكان أبي يرفضها, مثل: أن يأتي المدرس للبيت، أو أبحث عن مجموعة بنات في منزل - بدل المركز -، أو أن توصلني صديقتي للمركز البعيد، أو أذهب عند مدرس في المركز القريب بمفردي - بلا خلوة - بحيث يكون باب القاعة مفتوحًا, وأيضًا توجد صعوبة شديدة في أن أدرس عند مُدرسة لعدم توفر أي مدرسات عندهن كفاءة, ولأن أمي ترفض ذلك لنفس السبب.
فأهلي يريدونني أن أذهب للمركز القريب - وفيه اختلاط - إما لأنني مضطرة, أو لأنهم غير معترفين بمبدئي، فيقولون لي: "اجلسي وحدك, ولا تلقي لأحد بالًا، فأنت ذاهبة لدرس" وقد تناقشت مع أبي كثيرًا لكن دون جدوى, ولقد وجدت حلًا لكنه فشل بعد أسابيع قليلة, وهو أن توضع ستارة تفصل الأولاد عن البنات في المركز القريب, وبالفعل أخبرت المركز وساعدني عدة مدرسين بإقناع المركز بذلك, ولكن بعد تنفيذ الأمر تضايق بعض الطلاب لأسباب وحجج تافهة فتم إلغاء الستارة.
ولقد أفتاني أحد المدرسين الملتزمين ممن عنده علم شرعي وخبرة في حال مراكز الدروس الخصوصية بأني أصبحت مضطرة, ويجوز لي حضور الدرس المختلط, مع العلم أني -بفضل الله- ملتزمة بالزي الشرعي.
وقد أخذت بفتواه ولكني غير مطمئنة؛ لأن معلمتي لا تجيز لي أن أذهب للدرس المختلط أيًا كانت الظروف، واستدلت بأني لست مضطرة, وأني أستطيع الاستغناء عن الدرس بمجهودي الشخصي؛ لأنها تعلم أني متفوقة.
أما وجهة نظرها فهي أن الاختلاط يحدث فيه محرمات مثل: عدم غض البصر, والخضوع بالقول، وحتى إن لم أرتكب تلك المحرمات فيجب ألا أجلس في مكان كهذا؛ لأني لن أستطيع النهي عن المنكر، وإن كنت مضطرة فإني مضطرة للمدرس, وليس لجميع الطلاب - أي الاختلاط - وأني إن جاءني الموت فسأموت على معصية.
وأنا غير واثقة تمامًا من قدرتي على الاعتماد على نفسي دون الذهاب للدرس، فماذا أفعل؟
أفتوني - جزاكم الله خيرًا - وأعتذر للإطالة.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمما لا شك فيه أن الاختلاط المعهود في كثير من المؤسسات التعليمية اليوم من الاختلاط المحرم, ومفاسده عظيمة، وسبق أن نبهنا على ذلك بالفتوى رقم: 3539, والضرورات تبيح المحظورات, ولكن ضابط هذه الضرورة: أن يصل المرء إلى الهلاك, أو تبلغه مشقة عظيمة إن لم يرتكب المحظور، وهذا المعنى غير متحقق في حالتك قطعًا، وراجعي الفتوى رقم: 1420, والحاجة الشديدة أيضًا تبيح المحظور، وضابط الحاجة هو: ما لو تركه الإنسان لحقه حرج ومشقة، قال الشاطبي في الموافقات: وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة, ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين ـ على الجملة ـ الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. اهـ.

وقد ذكرت أن مستواك جيد بل ومتفوقة، فلست - إذن - في حاجة تسوغ لك هذه الدراسة المختلطة، فالسلامة كل السلامة في البعد عنها, والبحث عن وسيلة أخرى، ومن ذلك أن تستعيني بمعلماتك أو زميلاتك في فهم ما قد يستعصي عليك, أو تجتهدي في إقناع والدك بالذهاب إلى المركز البعيد الخالي من الاختلاط, وستجدين العون من الله تعالى، فهو القائل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {الطلاق:2}، وروى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه".

وننبه في الختام إلى أنه إذا كان هنالك تمايز بين الفتيان والفتيات بحيث يكون الفتيان في جانب والفتيات في جانب آخر فيحصل التمايز, وينتفي الاختلاط المحرم, فلا حرج حينئذ في الدراسة في هذا المكان, ولمعرفة حد الاختلاط الجائز والاختلاط الممنوع نرجو مطالعة الفتوى رقم: 173063.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني