الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فكنا نود أن تكون عبارتك- كشخص مسلم- فيها التعظيم والتفخيم لأمر الدين، بعيدة عن التهجم عليه، وتحميله أخطاء بعض المنتسبين إليه، والتي قد حذر منها غاية التحذير.
فما دمت تعلم أن الدين قد جاء بمحاربة هذه العنصريات- كما ذكرت- ببيان النصوص الدالة على أن التقوى هي معيار الأفضلية عند الله تعالى، كان الأحرى بك أن لا تنسب تلك العنصرية للإسلام، وأن تكون أكثر إنصافا، فلا تعم الوصم بها كل العرب.
وقول الشخص: (والله صراحة سأترك هذا الدين إذا كان دينا عنصريا لا يفيدني)، فنحن نثق أنك تعتقد أن دين الإسلام ليس عنصريا، بل يحارب ذلك، وبالتالي: فما كان تكون تلك العبارة موهمة لمن لا يعلم قصدك، وفتنة لمن لا يعلم حقيقة الأمر، وربما فتن بكلامك، فدخلت الشبهة إلى قلبه، فتقع أنت في الحرج.
ولا شك أن العبد قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا من سخط الله فتكون سببا لهلاكه، والعكس كذلك، فشأن الدين الذي نزل من عند الله أرفع من أن نجعله محلا للافتراضات التي هو بعيد غاية البعد عنها، فمن علق كفره على وجود أمر في الدين- وإن كان يقصد عدم وجوده- فقد ارتكب إثما عظيما، عليه التوبة منه، قال الحجاوي:" وإن قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر أو مجوسي أو ........... إن فعل كذا ..... لم يكفر وفعل محرما تلزمه التوبة منه". انتهى
فهل كل من خالف أمر الدين الحنيف في شيء، جعلنا التبعة على الدين الذي يعتنقه؟ وهل عندما نحاكم الدين إلى أخطاء وتجاوزات معتنقيه سيبقى لنا دين أصلا، سواء كان الخطأ من العرب أو الفرس أو الأكرادا أو الترك أو الروم أو غيرهم؟
فما هو الهدف من هذا التشويش؟ فالحذر الحذر من خطر اللسان، فرب كلمة من سخط الله لا يلقي لها صاحبها بالا تهوي به في نار جهنم أبعد مما بين المشرق والمغرب.
وإذا بالغ بعض العرب في التحيز لعرقهم العربي، فلا تعالج تلك المبالغة في تعميم الخطأ وتحميله للعرب، وأن تجعل التبعة في ذلك على دين الإسلام الذي لا تخفى نصوصه في التحذير بتلك العنصريات الجاهيلة.
فقد جاء الإسلام بنبذ العنصرية والمفاخرة بالأنساب، والتحذير من ذلك كله، والتشنيع على من يمارسه.
وللفائدة، راجع الفتاوى: 188137 - 66747 - 109216 - 202114 .
وأما قولك: ( لماذا لم يخلق الله الجميع عربا ) يبدو أنك قلته على سبيل الإقرار بحكمة الله في جعلهم شعوبا وقبائل، وفي الرد على من كان عنصريا من العرب، وهذا لا بأس به، وأما من يقوله على سبيل التساؤل، فليعلم أن الله سبحانه يخلق ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، والعباد يسألون، وله سبحانه في كل ما يخلق ويقدر أعظم الحِكَم ومنتهاها، لكن العباد لا يحيطون بحكمته من خلقه- وإن أعلمهم سبحانه بشيء من حكمته- فالمسلم يسلّم بحكمة الله البالغة فيما خلق وأمر، ويحمده على قضائه كله.
وعلى كل: فقد بين الله جل وعلا حكمة بالغة له سبحانه في خلق الناس شعوبا وقبائل، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {الحجرات:13}.
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقُربة تقرّبكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله أتقاكم .اهـ.
وفي تفسير الألوسي: ﴿لتعارفوا﴾ علة للجعل، أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا، فتصلوا الأرحام، وتبينوا الأنساب والتوارث، لا لتفاخروا بالآباء والقبائل. والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر، والسكوت في معرض البيان. اهـ.
وأما حديث: من سب العرب؛ فأولئك هم المشركون: فقد أخرجه العقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب، وحكموا عليه بأنه منكر. وقال الذهبي في الميزان: موضوع. وكذلك الألباني في السلسلة الضعيفة. لكن جاءت أحاديث أخرى في فضل العرب المسلمين، انظر طرفا منها في الفتوى: 47559 .
وليس معنى هذا التفضيل أن مجرد النسب موجب للفضل أو للثواب والقرب من الله، أو أن العربي خير وأكرم عند الله من العجمي، كلا! بل المقصود من التفضيل أن العرب كجنس لهم فضل استوجبه كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ومنهم معظم الصحابة الكرام -رضي الله تعالى عنهم- ومنهم الخلفاء والأئمة، وراجع للمزيد الفتوى: 368323 .
والله أعلم.