الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صوم شهر كامل.. رؤية شرعية

السؤال

‏نويت أن أصوم ثلاثين يومًا متّصلًا للتعافي من إدمان شيء معين، وقد بدأت الصوم، فقال لي أحدهم: "إن ما أفعله بدعة"، ‏فهل الصيام المتّصل للتعافي من شيء له علاقة بارتفاع الشهوة بدعة فعلًا؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالذي يظهر لنا أن نيّتك الصيام المذكور كان لأجل شيء مشروع، وهو كسر الشهوة؛ وعليه؛ فلا يعدّ بدعة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الزواج أن يصوم، فقال في المتفق عليه: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.

ولكن مواصلة الصوم- بأن تصوم شهرًا كاملًا، أو أكثر دون فِطْر- أمر اختلف في مشروعيته من عدمه:

فذهب فريق من أهل العلم إلى أنه يشرع سرد الصوم جميع السنة، عدا أيام النهي، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: فاستحبّ ذلك طائفة من الفقهاء، والعبّاد؛ فرأوه أفضل من صوم يوم وفطر يوم.

وطائفة أخرى لم يروه أفضل، بل جعلوه سائغًا بلا كراهة، وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه، وحملوا ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي.

والقول الثالث، وهو الصواب: قول من جعل ذلك تركًا للأولى، أو كره ذلك؛ فإن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، -كنهيه لعبد الله بن عمرو عن ذلك، وقوله: "من صام الدهر، فلا صام ولا أفطر"، وغيرهما- صريحة في أن هذا ليس بمشروع. انتهى.

بينما ذهب آخرون إلى مشروعية سرد الصوم بعض العام، لا كلّه، مع فطر أيام النهي، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: فأما سرد الصوم بعض العام؛ فهذا قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، قد كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم.

القول الثالث -وهو القول الراجح-: أن سرد صوم شهر فأكثر، أقلّ ما يقال فيه: إنه خلاف الأولى، بل صرّح بعضهم بكراهته، قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: ويدلّ على الكراهة ما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا غير رمضان. انتهى، وقد روى عبد الرزاق في مصنفه، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كان ابن ‌عباس ينهى ‌عن ‌صيام ‌الشهر ‌كاملًا، ويقول: ليصمه إلا أيامًا.

ثم إن الهدي العملي من صومه عليه الصلاة والسلام يؤيّد هذا؛ فإنه قد صحّ عن عائشة عند البخاري أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام ‌شهر ‌إلا ‌رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.

فمع إكثاره من الصوم لم يتجاوز بكثرته الشهر الواحد، حيث لم يستكمل صوم شهر سوى رمضان، وليس كما يفهم من كلام ابن تيمية أنه يسرد الصوم أشهرًا كاملة، ويؤيّد حديث عائشة في هذا المعنى ما أخرجه أحمد في المسند، عن أنس، أنه قال: وكان ‌يصوم ‌من ‌الشهر حتى نقول: ‌لا ‌يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شيئًا.

وقال ابن القيم - يرحمه الله - تعليقًا على حديث: إن أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا-: وهو نص في أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام، ولو كان سرد الصيام مشروعًا أو مستحبًّا، لكان أكثر عملًا؛ فيكون أفضل؛ إذ العبادة لا تكون إلا راجحة، فلو كان عبادة، لم يكن مرجوحًا. انتهى.

ومع ذلك؛ فإن أخبرك أهل الخبرة، أو عرفت بالتجربة من خلال صوم رمضان أنك تنتفع بسرد صوم شهر بأكمله ما لا تستفيده بغيره من الصوم؛ فالظاهر أنه يشرع لك فعل ذلك، من غير كراهة عند الجميع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في المتفق عليه: فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني