الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يأثم من جمع أموالا لعلاج مريضة وتبين أنها تعالج على نفقة الدولة؟

السؤال

كنت على معرفة بأخت معرفة وثيقة لمدة سنة، حتى إنها كانت تخبرني بتفاصيل حياتها، وكنت -والحمد لله- أدرس العلم الشرعي، وكنت أرى منها ما لا يرضي الله من لبس ضيق. ومع الوقت، بفضل الله، أعانني على جعلها تدرس العلم الشرعي، ثم الالتزام بالزي الشرعي.
كما كنت وسيطًا لها مع أختين تجمعان صدقات، لأن والدتها مريضة كلى وسكر وضغط، وكانت تغسل كلى، وتكفلت الأختان بتجميع ثمن الغسيل والعلاج حتى يتم تفعيل قرار نفقة الدولة، وذلك بعد التحري ورؤية التقرير بحالتها. وقد تم دفع أكثر من وصل بالفعل، حتى إنني قمت بزيارتها في المنزل ورأيت حالتها.
مع الوقت، كنت أسأل الابنة الصديقة عن الوصل، فكانت تقول إن المستشفى التي تغسل والدتها فيها لا تعطي وصلًا، ونحن -للأسف- صدّقنا، ولم نرغب في إحراجها أكثر من ذلك.
وظلت على هذا الحال أكثر من شهر، إلى أن أخبرتنا أن أخاها عليه دين وتم حبسه. ونحن جمعنا جزءًا من الدين ليخرج لأولاده، وبعد إرسال المال علمنا من زوجة أخيها أن الشرطة لم تحبس زوجها، وأنها قامت بذلك لتأخذ المال. وعندما طلبنا منها وصل بالدفع، أعطت أعذارًا كثيرة. وقتها بدأ يتم كشف الحقيقة عن طريق زوجة الأخ عندما أخبرتنا أنه غير محبوس.
وبحيلة ما تمكنا من استرداد المبلغ، وهنا بدأ الشك، فتواصلنا مع زوجة الأخ، واكتشفنا أن الأم كانت تتلقى العلاج على نفقة الدولة أيضًا لمدة شهر، ولا أحد من أهلها يعلم بذلك. والله أعلم أنها كذبت علينا، ونصبت في استحلال مال الصدقات، وخانت الأمانة.
فأنا أشعر بالذنب ولا أنام، ويكاد عقلي لا يصدق ما حدث.
السؤال: من سيتحمل ذنب استحلال مال الصدقات أمام الله يوم العرض؟ وهل أنا والأختان نتحمل ذنب من استأمنا على أموال الصدقات، وذهبت لغير مستحقيها؟ وهل يجب أن أخبر من ساهم في حالة الأم بالتفاصيل؟ مع العلم أن المال كان يتم تجميعه من أكثر من شخص، ولا نريد أن يؤثر هذا على الحالات الأخرى. فماذا نفعل؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله -تعالى- أن يجزيكن خير الجزاء على السعي في قضاء حوائج المسلمين، فذلك من أفضل القربات، وأجلِّ الطاعات.

روى الطبراني عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه سلم قال: أحبُّ الأعمال إلى الله: سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا... الحديث.

وإذا كانت هذه الأخت التي تم جمع الأموال لعلاج أمِّها قد تصرفت فيها بغير الوجه الذي جمعت من أجله، فإنها تأثم بذلك؛ لأن في هذا خيانة للأمانة، ونوعًا من الخديعة، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من غشنا فليس منا.

ولا إثم عليكنّ إن لم يحصل منكنّ تفريط، وإنما الإثم عليها هي -كما أسلفنا- ولا يؤاخذ أحد بجريرة آخر لا دخل له فيها، قال تعالى: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164].

والظاهر -والله أعلم- أنه لا يلزم إخبار المتبرعين بحقيقة ما حدث، فهم لهم أجر صدقتهم ولو وقعت في يد من لا يستحقها، كما سبق بيانه في الفتوى: 221029.

وليس في إخبارهم مصلحة، بل قد يكون مجرد مفسدة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني