الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام مطالبة الزوجة بوعدها قبل الزواج في المساهمة بمصاريف الأسرة

السؤال

أنا رجلٌ متزوج منذ عام، أعمل أنا وزوجتي بدوام كامل في دولة أوروبية، وزوجتي تعمل غالبًا من المنزل.
أود توضيح أمرين اتفقنا عليهما قبل الزواج (كوعودٍ شفهية، وليس كعقدٍ مكتوب): الاتفاق المالي: اتفقنا أن تساهم في مصاريفنا، بحيث تدفع نصف ما أدفعه في الأساسيات (أي: تشارك بثلث إجمالي المصاريف)، لنحظى بحرية مالية للرفاهيات، واتفقنا على وضع المبلغ في حساب مشترك.
أولوية المنزل: أكدت لي بوضوح أن «الأولوية للزوج والبيت، وإذا أثّر العمل عليهما فالبيت أولًا». وبناءً على ذلك، اطمأن ضميري ووافقت ضمنًا على عملها.
لكن بعد الزواج أخلّت بالاتفاق تمامًا: ماليًا: لم تضع أي مبلغ في الحساب، وتحتفظ براتبها كاملًا، ولم أسألها يومًا كم تجني. أتكفل بـ100% من الأساسيات، ومؤخرًا اكتشفت صدفةً أنها تدّخر سرًّا لشراء عقار خاص بها. صرت أشتري احتياجات البيت مباشرةً بوفرة بدلًا من وضع المال في حساب مهمل، فاتهمتني ضمنًا بالبخل، وتدّعي أنني أستفزها، رغم أنني أسألها عما تحتاجه، وأعاتبها وأحثها دائمًا على شراء مخزونٍ كافٍ إن اشترت قطعةً واحدة.
الضرر الضريبي: النظام هنا يعتمد على دخل الأسرة، ويمنح امتيازات لو كانت الزوجة لا تعمل، ولأنها تعمل بدوام كامل بدخل يقارب دخلي، أُحرم من تخفيض يعادل 15% من راتبي (يكفي لطعامنا شهريًا). عملها يحرمني من مزايا مالية ويستنزفني، فباتت مدخراتي لا تكفي لشراء عقار لأسرتنا في بلدنا الأم.
إهمال المنزل: نعيش في شقة من غرفتين، ورغم عملها من المنزل، تهمل نظافته، ويبقى في فوضى لأسابيع، وتتذرع بأنها «امرأة عاملة» ولم تكن تساعد في بيت أبيها، متناسيةً وعدها، وأنا لم أعدها يومًا بتوفير خادمة.
باختصار: تطالبني بدور «الزوج التقليدي» المنفِق، وتعيش دور «المستقلة» ماليًا، مع ترك مسؤولياتها.
أسئلتي لفضيلتكم: ما حكم إخلالها بالوعود الشفهية (المالية وأولوية المنزل) التي بنيت عليها موافقتي الضمنية على عملها؟ وهل يحق لي مطالبتها بالمساهمة ماليًا، طالما تقصّر في بيتها، وعملها يحرمني من امتيازات ضريبية؟
وصلتُ إلى استنزافٍ نفسي، وأنوي تخييرها: إما المشاركة (ماليًا أو منزليًا)، أو الطلاق (علمًا أنني أساعد في المنزل وأراعي ظروفها الصحية وقت الدورة الشهرية). ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ وهل عليّ إثم إن اخترت الطلاق لعدم التوافق؟
وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإذا أذن الزوج للمرأة في العمل بشرط أن تشارك في النفقة المنزلية فوافقت على ذلك، فلا نرى مانعاً من ذلك، ويجب عليها الالتزام بهذا الشرط، ما دامت تعمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً. رواه أصحاب السنن وصححه السيوطي.

وفي الموطأ أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا. ويعني بالناس: الصحابة، وكبار التابعين الذين عاصرهم.

وأما إن كان ما ذكر من اتفاق بينكما مجرد وعد، فالوفاء بالوعد مستحب، ولا يجب في قول جمهور الفقهاء، وذهب بعض العلماء إلى التفصيل في ذلك، فقال: إن كان الموعود دخل بسبب الوعد في شيء يناله ضرر بالتراجع عنه، وجب الوفاء به، وإلا لم يجب الوفاء به، وكان مستحباً.

وهذا هو مشهور مذهب مالك، وهو أقرب هذه الأقوال إلى الصواب، وأشبهها بما يتماشى مع مقاصد الشرع وقواعده.

وبناء عليه؛ تجوز لك مطالبتها إذا ترتب على إخلالها بالوعد لحوق ضرر معتبر بك، وننصحكما -والحالة هذه- بمراجعة المركز الإسلامي ببلدكما، للنظر في المسألة، ومستوى الضرر الذي لحق بك، وما يترتب عليه.

فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: الوعد: وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد يكون ملزمًا للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة: إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر. انتهى.

وأما الطلاق، فننصحك بعدمه، إلا إذا ترجحت مصلحته؛ لأن عواقبه وخيمة في الغالب، ولذا؛ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأصل فيه الحظر. وراجع الفتوى: 313699.

ونوصيكما بأن يعاشر كل منكما الآخر بالمعروف، ويؤدي إليه حقوقه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني