الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم في بيع رباع مكة وأجرة منازلها

                                                                                                                                                                              واختلفوا في كرى بيوت مكة وبيع رباعها. فكرهت طائفة ذلك .

                                                                                                                                                                              6323 - حدثنا محمد بن عبد الوهاب أبو أحمد ، حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح ، عن عبد الله بن عمرو قال: الذين يأكلون أجور بيوت مكة إنما يأكلون في بطونهم نارا.

                                                                                                                                                                              6324 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن مجاهد ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراها .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن عطاء : أنه كان ينهى عن الكراء في الحرم .

                                                                                                                                                                              وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا يكرى بمكة شيء .

                                                                                                                                                                              واحتج بعض القائلين بهذا القول بأخبار منها حديث عائشة .

                                                                                                                                                                              6325 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن يوسف بن ماهك ، عن أمه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تبني لك بيتا أو بناء [ ص: 390 ] يظلك من الشمس يعني بمكة ، فقال: "لا إنما هي مناخ من سبق" .

                                                                                                                                                                              6326 - وحدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا خلف بن تميم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت أبي يذكر عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكة مناخ لا يباع رباعها" وأحسبه قال: "ولا تباع بيوتها"، قال: وكان أول من بوب على دار من دور مكة سهيل ، فذكر ذلك لعمر فقال: لم بوبت عليها؟ قال: يجيء الناس قد أحلوا وشهدوا فيطرحون متاعهم فأتخوف عليهم رقيق مكة أن يسرقوهم فجعلت بابا على متاع الناس فرخص له، وقال أحمد بن حنبل : إني لأتوقى الكراء - يعني أجور بيوت مكة - وأما الشراء فقد اشترى عمر بن الخطاب دار السجن. فأما البناء بمنى فإني أكرهه .

                                                                                                                                                                              قال إسحاق : كل شيء من دور مكة فإن بيعها وشراءها وإجارتها مكروه، ولكن الشراء واستئجار الرجل أهون إذا لم يكن يجد، وأما البناء على وجه الاستخلاص لنفسه فلا يحل، وكان أبو عبيد يقول: فإذا كانت مكة هذه سنتها أنها مناخ من سبق، وأنها لا تباع رباعها ولا يطيب كراء بيوتها، وأنها مسجد لجماعة المسلمين فكيف تكون هذه غنيمة. واحتج أبو عبيد [ ص: 391 ] بحديثين لا يثبتان لابن عمر وابن عباس .

                                                                                                                                                                              6327 - وقال أبو عبيد : حدثنا أبو إسماعيل ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: الحرم كله مسجد .

                                                                                                                                                                              6328 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن إسرائيل ، عن ثوير، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال: الحرم كله مسجد .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وقد اختلف أهل العلم في تأويل قوله ( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) فقالت طائفة: في تعظيمه وتحريمه، روي هذا القول عن عكرمة . وقال مجاهد : في تعظيم البلد وتحريمه .

                                                                                                                                                                              وقال الحسن البصري : سواء المقيم فيه من أهله، والطارئ عليه في حرمته .

                                                                                                                                                                              6329 - حدثنا علان بن المغيرة ، حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله ( سواء العاكف فيه والباد ) نقول: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام .

                                                                                                                                                                              وقال قتادة : سواء فيه أهله وغير أهله، وقال عطاء : الناس فيه سواء، [ ص: 392 ] ليس أحد أحق به من أحد، وقد روينا عن ابن سابط أنه قال في هذه الآية قال: العاكف هو المقيم، والبادي: هو الذي يجيء من الحاج، والمعتمرين هم في المنازل سواء، ينزلون فيها حيث شاؤوا، غير أن لا يخرج أحدا من بيته، وقد روينا عن مجاهد ، وإبراهيم النخعي أنهما قالا: أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وقد أباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها فممن أباح كراء مساكنها: طاوس ، وعمرو بن دينار . قال عمرو : كيف يكون به بأس، والربع يباع فيؤكل منه، وقد ابتاع عمر بن الخطاب دار السجن بأربعة آلاف؟! وهذا على مذهب الشافعي . قال: وفي قوله "وهل ترك لنا عقيل منزلا" دليل على أنه ملك لا يورث إلا ما كان الميت مالكا له .

                                                                                                                                                                              6330 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله أين تنزل غدا؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب منزلا" .

                                                                                                                                                                              6331 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال: أخبرني علي بن [ ص: 393 ] حسين، أن عمرو بن عثمان أخبره، عن أسامة بن زيد أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة : أتنزل في دارك؟ قال "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور، قال: وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه علي وجعفر، لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ومما هو حجة لهذه الطائفة مع ما ذكرت قول الله - جل ثناؤه - ( الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) فنسب الديار إليهم، والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن..." فأثبت لأبي سفيان دارا، وأثبت لهم أملاكهم على دورهم، وإذا ثبتت أملاكهم بالكتاب والسنة فغير جائز دفع ذلك لأخبار واهية لا تثبت، ويدل مع ذلك على صحة ما ذكرناه دور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فممن له منهم بمكة دار أو دور: أبو بكر الصديق ، والزبير بن العوام، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاص، وصفوان بن أمية، وغيرهم فبعضها إلى اليوم بأيدي أعقابهم، وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها ولم يكونوا ليدخلوا ذلك إلا في أملاكهم، وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم، وهذا أصح من الخبر الواحد بأنها في مواضعها مشهورة .

                                                                                                                                                                              فأما الأخبار التي احتج بها من خالفنا ما منها خبر يجب أن يحتج به، لأنها لا تخلو من أحد معان : إما أن يكون من رجل ضعيف، وإما مرسل لا تقوم به الحجة، أو معلول، أما حديث عبد الله بن عمرو فإنما رواه عبيد الله بن أبي [ ص: 394 ] زياد تكلم فيه يحيى القطان قال: هو وسط وليس بذاك، ومحمد بن عمرو أحب إلي منه. وأبو نجيح لا أجيزه بحب، وابن مجاهد يروي مناكير، وحديث إبراهيم بن مهاجر ، عن يوسف بن ماهك ، عن أمه، عن عائشة ، فإن يحيى بن معين ضعف إبراهيم بن مهاجر ، وقال محمد بن إسماعيل : إبراهيم بن مهاجر بن مسمار مولى سعد بن أبي وقاص منكر الحديث، وأم يوسف بن ماهك مجهولة لا أعلم أحدا [ ص: 395 ] روى عنها غير ابنها يوسف .

                                                                                                                                                                              فقد سلم إبراهيم بن مهاجر مما قيل فيه، وكان الحديث غير ثابت ، لأنه عن امرأة لا تعرف لم يرو عنها غير ابنها، وأما حديث عبد الله بن عمرو ، فإسماعيل بن مهاجر، عن أبيه قال يحيى بن معين: هو ضعيف. وقال محمد بن إسماعيل : إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، عن أبيه عنده عجائب .

                                                                                                                                                                              وأما حديث ابن عمر ، وابن عباس "أن الحرم كله مسجد" فلا يثبت واحد منهما، وهما مدفوعان من جهتين حديث ابن عمر رواه ثوير، قال يحيى بن معين: ثوير ركن من أركان الكذب. وكان يحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان عنه، وحديث ابن عباس رواه عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال يحيى بن معين: وهو مكي ضعيف وله أحاديث ينفرد بها من ذلك حديثه عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أغلق عليه بابه فهو آمن" أبين البيان على أنها كانت لها أبواب، ودل ذلك على أن لا معنى لقول من [ ص: 396 ] قال: إن أول من بوب على دار من دور مكة : سهيل ، وأما من كره أجور بيوت مكة ورخص في شراء منازلها فقول مختلف، وذلك أن ما حرم شراؤه يجب أن يحرم بيعه، وما حرم بيعه يجب أن يحرم شراؤه، وإذا صح الشراء فلمن اشترى أن يكري ملكه كراء صحيحا .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ويدل على أن المسجد الحرام هو مصلى الناس حول الكعبة دون سائر البلد ما لا أعلمهم يختلفون فيه أن الناس قد أمروا بتطهير المساجد وتنظيفها من الغائط، والبول، والدم، وسائر النجاسات، ويدل على ما قلناه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب دلو من ماء على بول الأعرابي، فدل اتخاذهم الكنف والمغاسل والمجازر في البيوت سوى المسجد مع منعهم المسجد الحرام من ذلك على الفرق بين المسجد، وبين سائر البلد، ومع ذلك إباحتهم للناس اتخاذ الأسواق، والبيوع، والأشربة، وإنشاد اللقط في سائر البلد، ومنعهم الناس من ذلك في المسجد، وفي ذلك دليل على ما قلناه، فإن احتج محتج بقوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) وتوهم أن يكون أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من شعب أبي طالب فقد أغفل؛ [ ص: 397 ] لأن الأخبار الثابتة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من الحطيم أو الحجر من ذلك خبر مالك بن صعصعة .

                                                                                                                                                                              6332 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عفان ، حدثنا همام قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك ، عن مالك بن صعصعة، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: "بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجع إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال: فأتاني فقد ثم أوتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض...." وذكر الحديث، وسائر الأخبار الدالة على ذلك مذكورة في غير هذا المكان .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فإن احتج محتج بأخبار رويت عن عمر عامتها مراسيل، وهي مذكورة أو بعضها في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب قال: في شراء نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف درهم دليل على أن مكة ملك لأهلها، لأن عمر في جلالته ومكانه من الإسلام لا يأمر بشراء ما لا يحل شراؤه، ولا يجوز أن يتوهم على عمر أنه أعطى صفوان ما لا يحل لصفوان أخذه، ولكنه أعطاه ما يجوز له أن يملكه، وإذا جاز ذلك لصفوان جاز ذلك لغيره، ولأن الآخذ والمعطي فيما لا يجوز سواء . [ ص: 398 ]

                                                                                                                                                                              6333 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، والثوري ، وابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد [الرحمن ] بن فروخ، قال الثوري عن أبيه: "إن نافع بن عبد الحارث اشترى من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف درهم، وإن عمر - رضي الله عنه - رضي فالبيع بيعه، وإن عمر لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم فأخذها عمر " . [ ص: 399 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية