الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
المختار يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى قَدْرِهَا ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ، ثُمَ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ ، وَيُسْتَحَقُّ الْإِرْثُ بِرَحِمٍ وَنِكَاحِ وَوَلَاءٍ ، وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلتَّرِكَةِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مُرَتَّبَةٌ : ذَوُو السِّهَامِ ثُمَّ الْعَصَبَاتُ النَّسَبِيَّةُ ثُمَّ السَبَبِيَّةُ وَهُوَ الْمُعْتِقُ ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ ، ثُمَّ الرَّدُّ ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ ، ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ بِنَسَبٍ لَمْ يَثْبُتْ ، ثُمَّ الْمَوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ ، وَالْمَانِعُ مِنَ الْإِرْثِ : الرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَاخْتِلَافُ الْمِلَّتَيْنِ ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا . الاختيار كِتَابُ الْفَرَائِضِ وَهِيَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ ، فَعِيلَةٌ مِنَ الْفَرْضِ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ : التَّقْدِيرُ وَالْقَطْعُ وَالْبَيَانُ . قَالَ تَعَالَى : ( فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) أَيْ قَدَّرْتُمْ ، وَيُقَالُ : فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ : أَيْ قَدَّرَهَا ، وَقَالَ - تَعَالَى - : ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ) أَيْ بَيَّنَّاهَا ، وَيُقَالُ : فَرَضَتِ الْفَأْرَةُ الثَّوْبَ : إِذَا قَطَعَتْهُ . وَالْفَرْضُ فِي الشَّرْعِ : مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْفِقْهِ فَرَائِضَ لِأَنَّهُ سِهَامٌ مُقَدَّرَةٌ مَقْطُوعَةٌ مُبَيَّنَةٌ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ . وَإِنَّمَا خُصَّ بِهَذَا الِاسْمِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُ بِهِ ، فَقَالَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ : ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ) وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا سَمَّاهُ بِهِ فَقَالَ : " تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ " ، وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ مُجْمَلًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَقَادِيرَهَا ، وَذَكَرَ الْفَرَائِضَ وَبَيَّنَ سِهَامَهَا وَقَدَّرَهَا تَقْدِيرًا لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ، فَخَصَّ هَذَا النَّوْعَ بِهَذَا الِاسْمِ لِهَذَا الْمَعْنَى ،وَالْإِرْثُ فِي اللُّغَةِ الْبَقَاءُ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ " أَيْ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ بَقَايَا شَرِيعَتِهِ ، وَالْوَارِثُ الْبَاقِي وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - : أَيِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ ، وَسُمِّيَ الْوَارِثُ لِبَقَائِهِ بَعْدَ الْمُوَرِّثِ . وَفِي الشَّرْعِ : انْتِقَالُ مَالِ الْغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ ، فَكَأَنَّ الْوَارِثَ لِبَقَائِهِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ بَقِيَّةُ مَالِ الْمَيِّتِ . وَمِنْ شَرَفِ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ تَوَلَّى بَيَانَهُ وَقِسْمَتَهُ بِنَفْسِهِ وَأَوْضَحَهُ وُضُوحَ النَّهَارِ بِشَمْسِهِ فَقَالَ : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَبَيَّنَ فِيهَا أَهَمَّ سِهَامِ الْفَرَائِضِ وَمُسْتَحِقِّيهَا ، وَالْبَاقِي يُعْرَفُ بِالِاسْتِنْبَاطِ لِمَنْ تَأَمَّلَ فِيهَا ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِتَعْلِيمِهَا وَحَضَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : " تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهَا أَوَّلُ عِلْمٍ يَدْرُسُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِي " ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ . قَالَ : ( يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى قَدْرِهَا ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ ) فَهَذِهِ الْحُقُوقُ الْأَرْبَعَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ . أَمَّا الْبِدَايَةُ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ فَلِأَنَّ اللِّبَاسَ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنَ الْحَوَائِجِ اللَّازِمَةِ الضَّرُورِيَّةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدُّيُونِ وَالنَّفَقَاتِ وَجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ وَبِالْإِجْمَاعِ إِلَّا حَقًّا تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ وَوَلِيَّ الْجِنَايَةِ أَوْلَى مِنْ تَجْهِيزِهِ ; لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَيُكَفَّنُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ يَلْبَسُهُ مِنَ الثِّيَابِ الْحَلَالِ حَالَ حَيَاتِهِ عَلَى قَدْرِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ اعْتِبَارًا لِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَاللَّازِمُ أَوْلَى ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ غِنَائِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَالَ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُدَّةُ حَيَاتِهِ لَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ " ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) وَأَنَّهُ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِسْمَةِ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَلَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ : أَعْطِ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو أَوْ بَكْرٍ لَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ زِيدٍ عَنْهُمَا فِي الْإِعْطَاءِ فَكَانَتِ الْآيَةُ مُجْمَلَةً ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَكَانَ بَيَانًا لِحُكْمِ الْآيَةِ ، رَوَاهُ عَنْهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ ، وَالْوَصِيَّةُ تُسْتَحَقُّ مِنْ جِهَتِهِ ، وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِهِ ; لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الدَّيْنُ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ " ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ أَوْلَى مِنَ التَّبَرُّعَاتِ ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعَيْنٍ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ وَتُنَفَّذُ ، وَإِنْ كَانَتْ بِجُزْءٍ شَائِعٍ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَالْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ يَزْدَادُ نَصِيبُهُ بِزِيَادَةِ التَّرِكَةِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا فَيُحْسَبُ الْمَالُ وَيَخْرُجُ نَصِيبُ الْوَصِيَّةِ كَمَا يَخْرُجُ نَصِيبُ الْوَارِثِ وَتُقَدَّمُ عَلَى قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لِمَا تَلُونَا ، فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِسْمَةِ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ عَمَلًا بِكَلِمَةِ " بَعْدِ " ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلْآيَاتِ الثَّلَاثِ . قَالَ : ( وَيُسْتَحَقُّ الْإِرْثُ بِرَحِمٍ وَنِكَاحٍ وَوَلَاءٍ ) أَمَّا الرَّحِمُ وَالنِّكَاحُ فَبِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَلِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلتَّرِكَةِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مُرَتَّبَةٌ : ذَوُو السِّهَامِ ، ثُمَّ الْعَصَبَاتُ النِّسْبِيَّةُ ، ثُمَّ السَّبَبِيَّةُ وَهُوَ الْمُعْتَقُ ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ ، ثُمَّ الرَّدُّ ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ ، ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ بِنَسَبٍ لَمْ يَثْبُتْ ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ . ( ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ) وَقَدْ مَرَّ فِي الْوَصَايَا . ( ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ ) لِأَنَّ الْمَالَ مَتَى خَلَا عَنْ مُسْتَحِقٍّ وَمَالِكٍ فَمَصْرِفُهُ بَيْتُ الْمَالِ كَاللُّقَطَةِ وَالضَّالِّ ، وَسَنَذْكُرُ لِكُلِّ صِنْفٍ فَصْلًا نُبَيِّنُ فِيهِ حُكْمَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ : ( وَالْمَانِعُ مِنَ الْإِرْثِ : الرِّقُّ وَالْقَتْلُ ، وَاخْتِلَافُ الْمِلَّتَيْنِ ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا ) عَلَى مَا يَأْتِيكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية