الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر القاضي يقضي بعلمه

                                                                                                                                                                              افترق أهل العلم في قضاء القاضي بعلمه ثلاث فرق، فقالت فرقة: لا يقضي بعلمه. وممن هذا مذهبه: شريح والشعبي ، وبه قال مالك ، قال شريح لرجل ادعى شهادته: ائت الأمير وأنا أشهد لك. وقال الشعبي : لا يجمع أن يكون قاضيا وشاهدا . [ ص: 553 ]

                                                                                                                                                                              وقال مالك في الإمام يرى الرجل على حد من حدود الله: لا يقيم عليه، يرفعه إلى من فوقه، ويكون شاهدا من الشهود. وسئل مالك عن القاضي يكون عنده الشهادة لرجل على آخر أيقضي له به؟ فقال: لا يقضي له بشهادته إلا أن يقيم شاهدين سواه. وقال أحمد وإسحاق في شهادة الحاكم: لا، حتى يحال إلى غيره، أو تكون شهادة شاهد ويمين الطالب. وقيل لأحمد في شهادة الحاكم إذا رأى هو بعينه، قال: لا يحكم إلا بشهادة الشهود. وقال إسحاق : جائز إذا عاين في حكمه سوى الحد. وقال أبو عبيد : لا ينبغي لحاكم أن يمضي قضاء على أحد بعلمه دون علم غيره على حال من الحالات، وفيه تعرض لاتهام نفسه عند المسلمين .

                                                                                                                                                                              وقالت فرقة: ما علمه القاضي قبل أن يستقضى لا يحكم به، وما علم به بعد أن يستقضى حكم به. هذا قول أصحاب الرأي. قالوا: إلا الحدود، إذا رأى القاضي في مجلس القضاء أو غيره رجلا يزني أو يسرق أو يشرب خمرا، ثم رفع إليه مكانه، فإنه لا ينبغي له أن يقيم الحد عليه حتى يشهد عليه الشهود، يأخذ في ذلك بالثقة والاستحسان، ويدع القياس فيه، ويضمنه السرقة، فإن رأى القاضي رجلا يغصب رجلا مالا ويقذفه، أو يأخذ منه شيئا، أو يشتري منه أو يبيع، أو يسمع طلاقا، أو نكاحا، أو رأى رجلا يقتل آخر، أو يجرحه فإنه ينفذ ذلك [ ص: 554 ] كله عليه ويقضي به، لأن هذا من حقوق الناس يقضي بينهم، والقاضي مصدق في ذلك كله، وفيما زعم أنه كانت به البينة عنده، وفيما زعم أنه رأى مقتولا ذلك منه، وما رأى القاضي من حقوق الناس فيما بينهم من غير مصره الذي هو فيه قاض، ثم خوصم إليه في مصره، فإنه لا يقضي به ولا ينفذه، لأنه رأى ذلك حيث لا ينفذ قضاؤه، وإذا علم القاضي قبل أن يكون قاضيا عليها، ثم أتى فيه وهو قاض لم يقض به. وهذا قول النعمان . وفيها قول آخر: أن القاضي يقضي ما علم قبل أن يستقضى وعلم في غير مصره، فإنه يقضي به في غير الحدود. وهذا قول يعقوب ومحمد .

                                                                                                                                                                              وكان الأوزاعي يقول: ما أقر به الخصمان عند الوالي أخذهما به وأنفذ عليهما إلا ما كان من الحدود إذا مر، إن شهد عليه قبل أن يلي أو في ولايته، فليس له أن يأخذ بشهادته، ولا يقضي بها حتى يكون معه غيره .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة ثالثة: إذا كان الحاكم عدلا كان له أن يحكم بعلمه فيما كان يعلم به قبل الحكم وبعده، وقبل أن يلي وبعد ما ولي، ولا يلحقه في ذلك ظن ولا إثم، ومن ظن بعدل ظن سوء كان آثما ظالما، فإذا قال الحاكم: أقر عندي فلان لفلان بكذا وكذا قبل قوله، وأخذ الحق ممن ذكر ممن أقر عنده، وكذلك لو قال: شهدت عندي بينة عرفتها بالعدالة، أو سألت عنها فعدلت، قبل قوله، وكذلك لو قال: أقر عندي بطلاق أو عتاق أو زنا أو سرقة أو قتل أو شيء من الأشياء، قبل قوله في ذلك كله . [ ص: 555 ]

                                                                                                                                                                              كان الشافعي يقول: واختلف الناس في علم القاضي هل له أن يقضي به؟ فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين: أحدهما: إن له أن يقضي بكل ما علم قبل الحكم وبعده، وفي مجلس الحاكم وغيره، فأما علمه بحدود الله فيحتمل أن يكون كحقوق الناس، ويحتمل أن يفرق بينهما. قال الربيع : الذي يذهب إليه الشافعي أنه يحكم بعلمه، لأن علمه أكثر من شهادة الشاهدين عنده، وإنما كره الشافعي إظهار ذلك لئلا يكون القاضي غير عدل فيذهب بأموال الناس. وكان أبو ثور يرى أن يقضي القاضي بعلمه فيما علمه قبل أن يستقضى وبعده في حدود الله وحقوق الناس وغيره. وقال الليث بن سعد في الرجل يجلده القاضي ثم يعزل، فيدعي أنه عدا عليه فضربه ظلما، ويزعم القاضي أنه ضربه في حد وجب عليه: إن كان القاضي متهما رأيت أن يكلف البينة على جلده إياه، وإلا وضع الحد عن ذلك الرجل، وإن كان غير متهم لم يكلف البينة ومضى أمره على ما صنع .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : من أعلى ما يحتج به من رأى أن القاضي يقضي بعلمه: خبر هند زوجة أبي سفيان :

                                                                                                                                                                              6512 - أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال: أخبرنا الشافعي ، قال: أخبرنا ابن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس لي إلا ما يدخل علي بيتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 556 ] "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" .

                                                                                                                                                                              واحتج بعضهم بخبر أبي سعيد :

                                                                                                                                                                              6513 - حدثنا يحيى ، قال: حدثنا مسدد ، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدثنا أبي، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه" قال أبو سعيد : وددت أني لم أسمعه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم هندا أن تأخذ من مال أبي سفيان [ما] يكفيها وولدها بالمعروف، ولم يسأل هندا البينة لعلمه بأنها زوجته، وأن نفقتها ونفقة ولدها واجبة في ماله، فحكم بذلك على أبي سفيان بعلمه أن ذلك يجب، وأولى الناس أقتدي به الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك قوله: "لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه". فالواجب على الحاكم إذا رأى منكرا أن يغيره بلسانه ويأمر بتغييره، قال عبادة: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم . [ ص: 557 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية