الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              مسائل

                                                                                                                                                                              كان الشافعي يقول: أكره للقاضي الشراء والبيع والنظر في النفقة وفي ضيعته، لأن هذا أشغل [لفهمه] من كثير من الغضب، وجماع ما يشغل فكره يكره له، ولو باع أو اشترى لم أنقض البيع. ولا أحب لحاكم أن يتخلف عن الوليمة ولا أحب أن يجيب وليمة بعض ويترك [ ص: 614 ] بعضا إما أن يجيب كلا أو يترك كلا، ويعتذر إليهم ويسألهم أن يحللوه ويعذروه، ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويأتي الغائب عند قدومه ومخرجه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا ولى الإمام القاضي فليس له أن يستخلف مكانه أحدا إلا بإذن الإمام، وكذلك ليس له أن يولي في أطراف عمله أحدا لم يؤذن له فيه، فإن فعل فقضى خليفته لم يجز قضاؤه. وهذا على مذهب الكوفي ، وهو على صحيح مذهب الشافعي .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول: وإذا حضر المسافرون والمقيمون فإن كان المسافرون قليلا فلا بأس أن يبدأ بهم، وأن يجعل لهم يوما مقدما لا يضر بأهل البلد، وإن كثروا حتى يساووا أهل البلد أسا بينهم، لأن لكل حقا .

                                                                                                                                                                              وكان سوار إذا كان زمان الحج وجاء الغرماء بالكتب من القضاة، أو طلبوا شيئا من حقوقهم في أرض أو دور يفرغ لهم أياما مع ما يأتيه من [ ص: 615 ] الخصوم، ويسارع في أمورهم حتى يخرج الناس إلى مكة ، ويصنع ذلك بهم إذا قدم الناس من مكة .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : يكره للقاضي أن يفتي فيما يسأل عنه من الأحكام. كان شريح يقول: إنما أقضي ولا أفتي. وكان بين ابن شريح وبين رجل خصومة في شيء فسأل أباه أن يبين له الأمر فأبى عليه حتى حكم عليه. قال: قال: إنما كرهت أن أخبرك به أن تذهب فتصالحه فتقتطع من ماله شيئا لا حق لك فيه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فأما الفتيا في سائر أمور الدين من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وأبواب المكاسب، والأطعمة، والأشربة، وكل ما ليس من أبواب الأقضية فلا بأس أن يجيب فيما يسأل عنه مما يعلمه بل أخشى أن لا يسعه منع الجواب فيما يعلم منه .

                                                                                                                                                                              وإذا تبين للقاضي من أحد الخصمين اللدد نهاه فإن عاد زجره فيه. وكان الشافعي لا يبلغ به أن يحبسه ولا يضربه إلا أن يكون في ذلك ما يستوجب ضربا أو حبسا .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : يعاقبه إذا تبين ذلك فيه ونهاه - يعني إذا ألد أحدهما بصاحبه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ولو أن جماعة من أهل البغي نصبوا إماما على التأويل، وغلبوا على طرف من الأرض، وولى إمامهم الذي نصبوه قاضيا فحكم بأحكام، ثم صار أمر ذلك الموضع إلى إمام أهل [ ص: 616 ] العدل، نظر قاضيه في تلك الأحكام فرد منها ما يجب أن يرد من حكم قاضي أهل العدل، وأجاز منها ما يجيزه من حكم قاضي أهل العدل. وهذا على مذهب الشافعي والكوفي، ولا أحفظ عن غيرهما فيه خلاف قولهما .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجلين يتقدمان إلى الحاكم فيبتدران الكلام، ويذكر كل واحد منهما أنه الذي أتى بصاحبه .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته جعل مدعيا يتكلم فيه قبل صاحبه .

                                                                                                                                                                              وقال آخرون: يرجئ أمرهما حتى يبين له المدعي منهما فيأذن له في الكلام .

                                                                                                                                                                              وقال آخرون: يرجئ أمرهما يستحلف كل واحد منهما لصاحبه على ما يذكر أنه المقدم له، فإذا حلف وقف عن أمرهما حتى يعلم المقدم .

                                                                                                                                                                              وقال قائل: يسمع منهما جميعا في مجلسه ذلك ولا يبالي بأيهما بدأ، ولا يجوز أن يقف على النظر في أمرهما لجهله بالمدعي منهما .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ولو قال قائل: إن هذا أحسن، وذلك لاحتمال أن يكون كل واحد منهما مستحقا لتقديم صاحبه في معنى غير المعنى الذي قدمه صاحبه له . [ ص: 617 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية